إعداد: محمد إسماعيل زاهر

في كتاب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام» للذهبي تعثر على 40 ألف ترجمة للخلفاء والوزراء والعلماء بتخصصاتهم كافة، وتشعر بأن الرجل وهو يسعى إلى التأريخ للعالم الإسلامي، يود الإحاطة بكل أركان هذا العالم: نظمه السياسية، ومؤسساته الإدارية، وأحواله الاقتصادية، وملامحه الثقافية. ويبدو أن البشر كانوا يحتلون موقع القلب في رؤية الذهبي، حيث لم يلبث أن كتب موسوعة شهيرة أخرى عنونها ب «سير أعلام النبلاء» تقع في 23 مجلدا، يخصصها للتراجم فقط. لقد أثرت رحلات الذهبي المتعددة إلى مراكز الثقافة في بلاد الشام والحجاز ومصر بقوة في كتاباته التي تبرز من خلال هاتين الموسوعتين اهتمامه اللافت بالإضاءة على تاريخ ومسارات مظاهر العمران والتحضر في ربوع العالم الإسلامي، وهو بذلك ينتمي إلى سلسلة طويلة من مؤرخينا الذين لم تقتصر رؤيتهم للتاريخ على أنه ذلك العلم الذي يتطلب جمع المعلومات وتدقيقها وغربلتها للخروج برصد صادق للوقائع والأحداث الفارقة والمؤثرة والمهمة وحسب، ولكن التاريخ أيضا هو مدونة لحراك البشر وقدرتهم على التفاعل مع المكان المحيط بهم.
يقول الذهبي في مقدمة كتاب «تاريخ الإسلام»: «هذا كتاب نافع جمعته وتعبت عليه، واستخرجته من عدة تصانيف. يعرف به الإنسان ما مضى من التاريخ، من أول تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا؛ من وفيات الكبار من الخلفاء، والقراء والزهاد والفقهاء، والمحدثين والعلماء، والسلاطين والوزراء، والنحاة والشعراء. ومعرفة طبقاتهم وأوقاتهم وشيوخهم وبعض أخبارهم. وما تم من الفتوحات المشهورة والملاحم المذكورة، والعجائب المسطورة، من غير تطويل ولا إكثار. ولكن أذكر المشهورين ومن يشبههم، وأترك المجهولين ومن يشبههم. وأشير إلى الوقائع الكبار، إذ لو استوعبت التراجم والوقائع لبلغ الكتاب مئة مجلدة بل أكثر، لأن هناك مئة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في خمسين مجلداً»، وبرغم تركيز الذهبي على الإيجاز فإن كتابه يقع حسب حجم الطبعة، إذ طبع عشرات المرات، في ما بين 21 و50 مجلداً، ويبدأ الكتاب بالسنة الأولى من الهجرة النبوية الشريفة، وينتهي بعام 700 ه، وهو بذلك يختلف عن أمهات الكتب التاريخية القديمة، مثل «تاريخ الأمم والملوك» للطبري، و«الكامل في التاريخ» لابن الأثير، و«البداية والنهاية» لابن كثير التي ذهبت جميعها إلى التأريخ للعالم منذ بداية خلقه. وتبدو ثقافة المؤلف الموسوعية في المصادر التي اعتمد عليها، ويعددها في قائمة تقع في ثلاث صفحات في مقدمة الكتاب، وتمتلئ بمؤلفات وصلت إلينا، وأخرى ضاعت.
ولد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان في عام 673 ه في قرية قرب مدينة دمشق، وكان والده يعمل في تجارة الذهب، ولذلك عرف بالذهبي، وهناك حكاية أخرى عن هذا الاسم، فالذهبي من كبار علماء الحديث النبوي الشريف بما يتطلبه ذلك من معرفة دقيقة بعلم الجرح والتعديل، أو قياس مدى نزاهة ومصداقية راوي الحديث حتى لا يكذب على النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان يقال إن مؤرخنا كان يدقق جداً في أخذه الحديث عن أحد هؤلاء الرواة كأنه يزنهم بميزان الذهب، وهو المنهج نفسه الذي طبقه في التعاطي مع رواة التاريخ، ومن هنا أطلق عليه هذا اللقب. في طفولته حفظ القرآن الكريم، ودرس علم القراءات والحديث النبوي، وتجول كثيراً طلبا للعلم، وترك أكثر من 100 كتاب، أشهرها «تاريخ الإسلام»، و«سير أعلام النبلاء»، وتوفي في عام 748.

البشر في القلب

يقسم الذهبي «تاريخ الإسلام» إلى 70 طبقة تتضمن كل طبقة 10 سنوات، وتتوزع كل طبقة على جزأين، الأول يخصّصه للأحداث والوقائع، والثاني لمشاهير الوفيات، ويلاحظ مثلا أنه عند تضخم وفيات إحدى الطبقات كان الذهبي يترجم لهم حسب الحروف الأبجدية. وإذا صادفه رحيل شخصية مهمة كان يبدأ الجزء المخصص للأحداث بالترجمة لها، وهو يقطع انسيابية تأريخه ليترجم للنبي الكريم في أعقاب رحيله في العام الحادي عشر للهجرة. في «تاريخ الإسلام» للذهبي تتنقل بين أخبار الفتوحات، والخلفاء، والقادة، ويسير بك بين مدن العالم الإسلامي من بلاد ما وراء النهر إلى أقصى الغرب، يتتبع تراجم أبرز علمائها، أحوالها وأوضاع سكانها، وعلاقاتهم بالحكام، ويتجول في أسواقها ودروبها وحماماتها العامة.
ولكن الذهبي لا يكتفي في كتابه بكل هذا، بل يهتم كثيراً بما يقع للبشر، يتحدث عن حالة القحط التي حلت بمصر وبلاد الشام في أحداث عام 695، قائلاً: «أُرسل إلى الديار المصرية غلال كثيرة بسبب القحط. وفي ثاني عشر المحرم كتب كتاب من مصر فقدم دمشق في أواخر الشهر، فيه أن الأردب بلغ مئة وعشرين درهما، وأن رطل اللحم الدمشقي بسبعة دراهم، وأن رطل اللبن بدرهمين، والبيض ستّ بيضات، بدرهم ورطل الزيت بثمانية دراهم، وقد أفنى الموت خلقا كثيراً. وأما في الشام فقد توقف المطر وفزع الناس واجتمعنا لسماع البخاري ففتح الله بنزول الغيث».
أما كتاب «سير أعلام النبلاء» فقد ترجم فيه الذهبي لما يقرب من «6 آلاف شخصية منذ بزوغ فجر الإسلام إلى عام «739ه». وقد قسم كتابه إلى خمس وثلاثين طبقة، تقع كل منها في ما بين 15 و16 عاماً، أما الطبقة الأخيرة فتمتد إلى 86 عاماً، يبدأ الكتاب بالسيرة النبوية الشريفة، وتشمل الطبقة الأولى الصحابة وكبار التابعين، ويمتلئ الكتاب بشخصيات لم يمنحها حقها الوافي في «تاريخ الإسلام»، وميزة «سير أعلام النبلاء» أنك تشعر بأن الرجل يسعى إلى صياغة معجم عن البشر، تلجأ إليه عندما تود البحث عن شخصية ما، يتميز الكتاب كذلك بالقدرة على التكثيف، فهو يختصر سيرة أحمد بن طولون مثلا في عدة جمل مركزة على مدار صفحتين، لا تفرغ منهما إلا وقد أحطت بجانب كبير من حياة هذا الحاكم.
يقول الذهبي في الطبقة الخامسة عشرة عن أحمد بن طولون: التركي صاحب مصر أبو العباس،ولد بسامراء، وقيل: بل تبناه الأمير طولون. وطولون قدمه صاحب ما وراء النهر إلى المأمون في عدة ممالِيك سنة مئتين فعاش طولون إِلى سنة أربعين ومئتين. فأجاد ابنه أحمد حفظ القرآن وطلب العلم، وتنقلتْ بِهِ الأَحْوَالُ، وَتَأَمَّرَ وَوَلِي ثُغُوْرَ الشَّامِ ثُمَّ إِمْرَةَ دِمَشْقَ ثُمَّ وَلِيَ الدِّيَارَ المِصْرِيَّةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَلَهُ إذْ ذَاكَ أَرْبعُوْنَ سَنَةً. وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً، مِقْدَاماً، مَهِيْباً، سَائِساً، جَوَاداً، مُمَدَّحاً، مِنْ دُهَاةِ المُلُوكِ. قِيْلَ: كَانَتْ مُؤْنَتَهُ فِي اليَوْمِ أَلْفَ دينار، وكان يرجع إلى عدل، وَبَذْلٍ لَكِنَّهُ جَبَّارٌ سَفَّاكٌ لِلْدِّمَاءِ. قَالَ القُضَاعِيُّ: أُحْصِيَ مَنْ قَتَلَهُ صَبْراً أَوْ مَاتَ فِي سِجْنِهِ فَبَلَغُوا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفاً. وَأَنْشَأَ بِظَاهِر مِصْرَ جَامِعاً غَرِمَ عَلَيْهِ مئَةَ أَلْفِ دِيْنَارٍ، وَكَانَ جَيِّدَ الإِسْلاَمِ مُعَظِّماً للشَّعَائِرِ.خَلَّفَ مِنَ العَيْنِ عَشْرَةَ آلاَفِ أَلْفِ دِيْنَارٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ أَلْفَ مَمْلُوْكٍ، وَجَمَاعَةَ بَنِيْن وَسِتَّ مئَةِ بَغْلٍ لِلْثِقَلِ. وَيُقَالُ: بَلَغَ ارتِفَاعُ خَرَاجِ مِصْرَ فِي أَيَّامِهِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ آلاَفِ أَلفِ دِيْنَارٍ وَكَانَ الخَلِيْفَةُ مَشْغُوْلاً عَنِ ابْنِ طُولُوْنَ بِحُرُوْبِ الزنجِ، وَكَانَ يَزْرِي عَلَى أُمَرَاءِ التُّرْكِ فِيمَا يَرْتَكِبُوْنَهُ». هنا وفي كلمات قليلة تعرف إيجابيات وسلبيات أحمد بن طولون.
ولا يقتصر معجم الذهبي على الحكام وحسب، ولكنك تعثر على الفقهاء والمحدثين وعلماء القرآن، وحتى الأدباء، يقول عن الصولي مثلا: «العَلاَّمَةُ الأَدِيْبُ ذُو الفُنُوْنِ، أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بنُ يَحْيَى بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ العَبَّاسِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ صُولٍ الصُّوْلِيُّ، البَغْدَادِيُّ، صَاحِبُ التصانيف.حَدَّثَ عَنْ: أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ يُوْنُسَ الكُدَيْمِيِّ، وَثَعْلَبٍ، وَالمُبَرِّدِ، وَأَبِي العَيْنَاء. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ حَيُّوْيَه، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ شَاذَانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الجُنْدِيّ، وَعَلِيُّ بنُ القَاسِمِ، وَابْنُ جُمَيْع، وَأَبُو أَحْمَدَ الفَرَضِيّ، وَالحُسَيْنُ الغَضَائِرِيُّ. وَلَهُ النَّظْمُ وَالنَّثْرُ وَكَثْرَةُ الاطِّلاَعِ».

موسوعية التأليف

ترك الذهبي الكثير من الكتب في مختلف العلوم: التاريخ، الفقه، الحديث..الخ، حيث لم يكن هناك فصل بين العلوم والتخصصات، وكان التاريخ مثلا نتاج للسيرة النبوية وعلم الحديث، ومن أبرز كتبه: «دول الإسلام»، «الإعلام بوفيات الأعلام»، «العباب في التاريخ»، «العبر في خبر من غبر»، «المعين في طبقات المحدثين»، «الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة»، «الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم»، «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، «المغني في الضعفاء»، «المشتبه في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب والكنى والألقاب مما اتفق وضعا واختلف نطقا»، «أخبار قضاة دمشق»، «ترجمة الشافعي»، «ترجمة مالك بن أنس»، ويبدو من خلال تلك العناوين وغيرها الكثير، ولع الرجل بالتاريخ والسير والتراجم والبحث في نزاهة الرواة، حتى وصفه ابن كثير في «البداية والنهاية» ب«مؤرخ الإسلام».
عاش الذهبي بين منتصف القرن السابع ومنتصف القرن الثامن الهجريين، في ظل دولة المماليك، تلك الفترة التي شهدت الكثير من الأحداث المصيرية، والكثير من المتناقضات، دفعت العلماء إلى تبويب المصنفات الموسوعية، والتي تتناول شتى حقول المعرفة، وبخاصة التاريخ، حيث كان الهم بعد سقوط بغداد على أيدي التتار، ثم الموجات المتلاحقة من الحملات الصليبية، وخروج العرب من الأندلس، هو تدوين التاريخ وحفظه للأجيال المقبلة، تاريخ الدول الإسلامية وتاريخ العمران فيها، وتاريخ العلوم والمعارف، وحتى تاريخ البشر والأماكن، ومن هنا العناية الفائقة بالتراجم: حياة العلماء والفقهاء والمدرسين والزهاد والعباد وحتى الكثير من البشر العاديين الذين نلمحهم في أبرز الموسوعات التاريخية آنذاك، مثل «بدائع الزهو في الوقائع والدهور» لابن إياس الحنفي، ومن هنا ندرك أيضا الولع بإيراد تفصيلات مطولة عن تخطيط المدن: الشوارع والأزقة والحارات والأسوار وبوابات المدن والمستشفيات والمدارس والتكايا والخانقاوات والحدائق، لقد كانوا يؤرخون لكل شيء، يؤرخون للتمدن والتحضر حتى في ذلك العصر الذي وصُف خطأ بالتدهور والتراجع.