إعداد: محمد إسماعيل زاهر

تمتلئ كتب التراث العربي بالأعمال التي تؤرخ للمدن، حتى إن المؤرخين القدماء ربما لم يتركوا مدينة لم يرصدوا سيرتها، وأبرز محطاتها، وأعلامها ومن تعاقب عليها من الحكام أو الولاة، ومن دخلها من الفاتحين أو الغزاة، ومن أشهر تلك الأعمال، هناك «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر و«النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي.. الخ، وتفاوتت هذه الأعمال بين توقف مؤلفها عند الحدث التاريخي وأبعاده والقوى الفاعلة والمؤثرة فيه، أو النزول إلى الشارع ورصد حياة المدن، المدن الحية، مدن البشر من خلال الأسواق والحمامات، والبيوت والأزقة، وتصوير العادات الاجتماعية المختلفة.. الخ، ومن أبرز المدن التي نشعر بعشق مؤرخها لها، مدينة حلب، تلك التي خصص لها ابن العديم كتابين هما: «زبدة الحلب في تاريخ حلب»، و«بغية الطلب في تاريخ حلب»، اتبع في الأول منهجاً ركز فيه على رواية المحطات التاريخية الأبرز في تاريخ المدينة عبر الحكام الذين تعاقبوا عليها، وجاء الثاني على شكل معجم خصصه لأعلام حلب وفق الترتيب الألفبائي.
يبدأ كتاب «زبدة الحلب في تاريخ حلب» بتتبع ابن العديم للروايات التي قيلت في إطلاق هذا الاسم على المدينة وينتهي بتنازل الملك الكامل الأيوبي عن مدينة القدس لفردريك الثاني إمبراطور الإمبراطورية الرومانية، وبين اللحظتين يضيء ابن العديم على تاريخ حلب منذ أقدم العصور، نستمتع في مدخل الكتاب بمروياته حول اسم حلب، فهي مرة ذلك التل الذي كان يتوقف عنده إبراهيم الخليل، عليه السلام، لحلب ماشيته، وينادي أحد أتباعه «إن إبراهيم حلب» فيتجمع الفقراء حول خليل الرحمن ليشربوا الحليب ويأكلوا الطعام، يقول أيضا: «وذكر بعضهم أنها إنما سميت حلب باسم من بناها، وهو: حلب بن المهر ابن حيص بن عمليق من العمالقة. وكانوا إخوة ثلاثة: بردعه، وحمص، وحلب، أولاد المهر. فكل منهم بنى مدينة سميت باسمه»، ولا ينسى أن يسرد اسم المدينة باليونانية: «وكان اسم حلب باليونانية «باروا» وقيل بيرؤا. وذكر أرسطوطاليس في كتاب الكيان أنه لما خرج الإسكندر لقصد دارا الملك، ومقاتلته، كان أرسطوطاليس في صحبته، فوصل إلى حلب وهي تعرف بلسان اليونانية «بيرؤا» فلما تحقق أرسطوطاليس حال تربتها، وصحة هوائها، استأذن الإسكندر في المقام بها، وقال له: إن بي مرضاً باطناً، وهواء هذه البلدة موافق لشفائي. فأقام بها فزال مرضه». بعد ذلك ينقسم الكتاب إلى عدة فصول يتتبع فيها تاريخ حلب في صدر الإسلام، وتحت حكم الحمدانيين والفاطميين وحتى الأيوبيين.
الكتاب الثاني يأتي على العكس من ذلك تماما، حيث تاريخ المدينة موزع على البشر، فهنا تقرأ عن فقيه وهناك عن محدث أو شاعر أو أديب أو سياسي أو عالم.. الخ، ويلاحظ أن ابن العديم لا يقتصر في سرده لسير هؤلاء البشر على من ولد أو سكن المدينة فحسب، بل من مر بها أو أقام فيها لفترة قصيرة، أو حتى من كتب عنها.

السياسي الكاتب

ولد عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة في عام 588 ه في حلب، وينتمي إلى أسرة كانت على علاقة قوية بالحكام، وهو الأمر الذي مهد لمؤلفنا التقرب من ولاة حلب في زمن الأيوبيين، حتى إنه تولى الوزارة، يقول في كتابه «زبدة الحلب»: وسرت من حلب، في الرابع من شوال، سنة خمس وثلاثين وستمئة، إلى بلاد الروم، لعقد الوصلة بين السلطان الملك الناصر، والسلطان غياث الدين كيخسرو، على أخت السلطان كيخسرو، وهي ابنة خالة الملك العزيز، والد الملك الناصر، لقد كان ابن العديم وفق ما يقول الدكتور سهيل زكار في تحقيقه لكتاب «بغية الطلب»: «سياسياً وإرث أسرة عريقة جمعت بين العلم والقضاء والحكم والسياسة والتجارة والنشاط الزراعي»، ترك ابن العديم حلب هو وأسرته بعد تعرضها لهجوم جيوش هولاكو إلى دمشق، ثم رحل إلى القاهرة، وزار حلب خلال احتلال المغول لها، ويقال إنهم عرضوا عليه أحد المناصب الرفيعة، ولكنه رفض، وفضل العودة إلى القاهرة، والتي ظل مقيما بها حتى انكسار المغول في موقعة عين جالوت، وبعد عودته إلى حلب بعد خروج المغول ورؤيته للدمار الذي خلفته جيوشهم، عاد حزينا إلى القاهرة ولم يمكث بها إلا سنة واحدة حتى توفي في عام 660ه.
في كتاب «زبدة حلب» يظهر ابن العديم السياسي والأرستقراطي والدبلوماسي من خلال التأريخ الرسمي لمدينة حلب، كذلك هناك اهتمام كبير بتصوير المعارك وأحداثها، فنجده يرصد أحوال المدينة في عهد الخلفاء الأمويين والعباسيين، ثم الحمدانيين، ويسترسل في الاضطراب الكبير الذي شهدته المدينة في أعقاب وفاة سيف الدولة الحمداني ومقتل أبي فراس الحمداني عندما طمع في حكم حلب بعد سيف الدولة وناوأ حكم سعد الدولة الحمداني، وحارب أبو فراس جيش سعد الدولة بقيادة قرغويه التركي، وبعد اشتباكات عديدة طلب الشاعر الأمان من القائد العسكري، ولكن هذا الأخير، قتله بعد أن وعده بالأمان «فخرج إليهم أبو فراس وناوشهم، واستأمن أصحابه، واختلط أبو فراس بمن استأمن. فأمر قرغويه بعض غلمانه التركية بقتله، فضربه، فسقط، ونزل فاحتز رأسه، وحمله إلى سعد الدولة، وبقيت جثته مطروحة بالبرية، حتى كفنه رجل من الأعراب، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاثمئة، ولطمت أمه سخية حتى قلعت عينها عليه».
تتميز حلب في عهد الدولة الأيوبية بمذاق خاص في كتاب ابن العديم، فهو من موقعه يتحدث بلهجة أخرى، فبعد أن كان يروي عن الآخرين في السابق، نجده يتدخل كراوٍ عليم ببواطن الأمور في تلك الدولة، بارعا في توصيف الخلافات الداخلية، ومحاولات الوحدة والتكتل في مواجهة الصليبيين التي لم تهدأ يوما في تلك الحقبة التاريخية على وجه الخصوص، كذلك يلاحظ في هذا الجزء براعته في تصوير المعارك المختلفة.
أما الكتاب الآخر «بغية الطلب» فيقع في اثني عشر جزءا، وهناك من يرى أن ابن العديم لخصه في «زبدة الحلب»، ولكن مطالعة الكتابين تؤكد أن الهدف منهما مختلف، فالكتاب الأول مخصص للأعلام، وهو بمثابة موسوعة عن سيرة البشر في تلك المدينة خلال الفترة الزمنية التي يغطيها الكتاب والتي تمتد لأبعد من دخول الإسلام حلب، حتى إنه يترجم لأرسطو.
ظل كتاب «بغية الطلب» مخطوطا حتى سبعينيات القرن العشرين، يقرأ عنه الباحثون بعض الإشارات في كتاب ابن العديم الآخر، وظل الدكتور سهيل زكار يبحث عن مخطوطة الكتاب في العديد من مكتبات العالم، منطلقا من اهتمامه بالتأريخ للحملات الصليبية، حتى عثر على نسخة من المخطوطة في إسطنبول.
يبدأ الكتاب بحديث المؤلف عن أهمية علم التاريخ، ويقدم نصائحه للمؤرخ، ثم يتناول فضائل شمالي بلاد الشام مع وصفها الجغرافي وأخبار فتوحها على أيدي المسلمين، ويركز على المدينة كثغر مهم جدا للدولة الإسلامية، ودور أهلها البطولي في صد الأعداء، ويخصص فصلا كاملا عن سور حلب وقلعتها وأبوابها، بعد ذلك يتحول الكتاب إلى معجم في الشخصيات، وكما سبق وأشرنا، لا يترك شخصا مر بحلب إلا ويترجم له، فهو يكتب عن الخليفة المعتمد على الله قائلاً «المعتمد على الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، قدم حلب صحبة أبيه المتوكل سنة أربع، وقيل ثلاث وأربعين ومئتين، حين توجه إلى دمشق وفي عودته منها. وبويع له بالخلافة يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين، وعقد العهد لأخيه أبي أحمد الموفق، فغلب على أمره، ومنعه من التصرف، وحكم على جيشه حتى إنه كان لا يمكنه من الخروج إلى موضع إلّا بأمر». ثم يسترسل في قصة المعتمد على الله، ويوثق وفق سلسلة من الرواة خبر زيارته لحلب مع أبيه.

فضاء آخر

ألف ابن العديم كذلك كتاباً في التربية بعنوان: «تذكرة الآباء وتسلية الأبناء.. الدراري في ذكر الذراري»، ويتحدث فيه عن أهمية العناية بالأبناء، يقول: ينبغي للوالد أن لا يسهو عن تأديب ولده ويحسن عنده الحسن ويقبح عنده القبيح ويحثه على المكارم وعلى تعلم العلم والأدب، ثم يفصل في أهمية التربية وطرائقها وإيجابيات ذلك في المجتمع، مستشهداً بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وآراء الأدباء والحكماء/ الفلاسفة..الخ. وله كتاب آخر بعنوان «دفع الظلم والتجري» عن أبي العلاء المعري، يدافع فيه عن صاحب رسالة الغفران ضد من «كفروه، واجترؤوا على ذلك وداموا، وعنفوا من انتصر له ولاموا، وقعدوا في أمره وقاموا، فلم يرعوا له حرمة، ولا أكرموا علمه، حتى حكوا كفره بالأسانيد، وشددوا في ذلك غاية التشديد، وكفره من جاء بعدهم بالتقليد».
عاش ابن العديم في عصر اضطراب، وفي مدينة حدودية تتعرض للغزوات، ولا تستقر فيها السلطة، وعانى أيضا محنة النزوح عن تلك المدينة والرحيل والوفاة في بلد آخر، ومع ذلك كتب بدأب، وبموسوعية، كان يؤرخ لمدينته، ويرصد المخاطر المحيطة بها، ووقوعها فريسة للخلافات بين القوى المختلفة، كان مؤرخا، وفي الوقت ذاته شاهد عيان على ما حدث في زمنه، وفي كل ما كتب، سواء عن حلب أو أبي العلاء المعري أو موقفه من طلب المغول له بتولي أحد المناصب، تبدو شهادته مناسبة لعصرنا أيضا وعلى كافة المستويات التي يتشابك فيها التاريخي بالجغرافي، والسياسي بالفكري والثقافي لتتشكل من كل ذلك إحدى أهم محطات تاريخنا الذي نحتاج إلى قراءته أكثر من مرة.