إعداد: محمد إسماعيل زاهر

لا يزال تاريخ دولة المماليك يجذب الكثيرين، للقراءة والتحليل وحتى الاستلهام الأدبي، وخصوصاً الروائي منه، والمتابع للدراسات التي وثقت لتلك الحقبة التاريخية (1250-1517م) سيجد العديد من وجهات النظر التي تصل إلى درجة التناقض فيما يتعلق بدور المماليك الحضاري في منطقتنا، فتلك الدولة التي عرفت الصراعات العنيفة والدموية كثيراً على السلطة، وفرض الضرائب والمكوس الباهظة على الشعب، وتراجع فيها الإنتاج الفكري والفلسفي، شهدت أيضاً القضاء نهائياً على الجيوب الصليبية في بلاد الشام، وتشييد المساجد ذات الجماليات المعمارية اللافتة، والمدارس والخانقاوات، وتأليف الموسوعات الأدبية والتاريخية التي سعت إلى حفظ العلم للأجيال المقبلة. لقد حكم المماليك رسمياً لما يقرب من ثلاثة قرون، ولكنهم تواجدوا في المنطقة قبل هذا التاريخ، البعض يعود بهم إلى أحمد بن طولون أو إلى الدولة الأيوبية، واستمروا في الحكم نيابة عن العثمانيين، لمدة ثلاثة قرون أخرى، حتى محمد علي، حتى إن البعض يذهب إلى أن حكم المماليك، المباشر وغير المباشر، امتد لألف عام. من هنا تتضح أهمية دراسة هذا التاريخ مرة أخرى، وتبرز أهمية إلقاء الضوء على أحد أبرز مؤرخي دولة المماليك ابن تغري بردي.
عندما دخل السلطان سليم الأول مصر في عام 1517 سمع بكتاب ابن تغري بردي «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، فأمر بترجمة الكتاب لأهميته إلى اللغة التركية، الكتاب يقع في 16 مجلداً، وفي عام 1851، نشر المستشرق الهولندي جونبل منه مجلدين ضخمين في أربعة أجزاء بمقدمة وملاحظات باللغة اللاتينية، وفي عام 1909 طبع الكتاب في عشرة مجلدات في جامعة كاليفورنيا برعاية المستشرق وليم بوبر، وحُقّق الكتاب وطبع في مصر خلال الفترة من 1930 إلى 1972. وكتب ابن تغري بردي ملخصاً لكتابه الأشهر هذا بعنوان «الأنوار الزاهرة والكواكب الباهرة من النجوم الزاهرة»، وتوجد منه نسختان في إسطنبول.
ابن تغري بردي هو أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن الأمير سيف الدين تغري بردي الأتابكي الظاهري، ولد في القاهرة في عام 813ه/ 1410م، ومن اسمه يتضح أنه ينتمي إلى طائفة أمراء المماليك، مما سيدفع بالبعض إلى تلقيبه ب «مؤرخ دولة المماليك»، وصل والده إلى رتبة قائد الجيش، وعيّنه السلطان الناصر فرج بن برقوق نائباً له في بلاد الشام، تعلم مؤرخنا في طفولته علوم الدين والنحو والبلاغة، ويقال إنه برع في الموسيقى والفروسية، وكتب الشعر وأتقن اللغتين العربية والتركية، وتقرب من السلطان، والذي منحه إقطاعاً، ويقال أيضا إن توجهه نحو التاريخ بسبب ولع السلطان بالكتابات والحكايات التاريخية، واشترك في عدة حملات عسكرية.
تتلمذ على يد أبرز مؤرخي عصره، المقريزي وعاصر ابن حجر العسقلاني والسيوطي والسخاوي، ومن كتابات هؤلاء، بالإضافة إلى تلميذهم ابن إياس الحنفي تشكلت أهم مدرسة في كتابة التاريخ الحولي، وتركوا لنا الكثير من الموسوعات التاريخية التي توثق بصفة خاصة لتحولات عصر المماليك الثري بالأحداث والوقائع.

أهمية التاريخ

يبدأ كتاب «النجوم الزاهرة» بمقدمة توضح أهمية التاريخ، ثم يغطي الفترة الممتدة من عام 20 ه، فتح عمرو ابن العاص، حتى عام 872ه، أي قبل وفاة ابن تغري بردي بأربع سنوات، الكتاب يؤرخ في الأساس لكل حكام مصر وبلاد الشام خلال هذه الفترة، وتحت كل حاكم يتبع منهج التأريخ الحولي، مع ذكر وفيات كل عام والترجمة لمئات الآلاف من البشر، وخلال كل ذلك نتجوّل مع ابن تغري بردي بين قصور السلاطين، نقرأ عن الصراعات بين القوّاد والأمراء، نستمتع بتحليله للشخصيات، ونستمع إليه وهو يحكي عن المؤامرات، ونتمعن في أسباب الخلافات، ثم يقودنا بين الشوارع والمدارس والمساجد والزوايا والتكايا، ويحدثنا عن العلماء والفقهاء والمتصوفة، ويروي لنا المجاعات والأوبئة والضرائب والمكوس والغلاء، مع ابن تغري بردي لا تشعر أنك أمام مؤرخ للسلطة، كما اتهمه معاصره السخاوي والعديد من الباحثين في تاريخ المماليك، ففي كتابه اهتمام واضح بنهر النيل، أحواله وتقلباته، فيضانه وشحه أحيانا، وفي مؤلفات أخرى ستجد ابن تغري بردي، يترجم للعديد من بسطاء الناس، يترجم لهذا لأنه كان محبوباً من جيرانه، أو لذاك بسبب تقواه المشهود له بها بين الناس.
الكتاب مدونة في التاريخ وفي الخطط العمرانية، وفي أحوال العمران، يتحوّل ببساطة ليكون مدونة للمكان والناس، سمع عنهم ابن تغري بردي أو قرأ سيرهم أو تعامل معهم بنفسه، وهناك العديد من سلاطين المماليك الذين ينتقدهم مؤرخنا، وتهيمن عليه روح موضوعية أو طهرانية ميزت معظم المؤرخين المسلمين، يقول مثلاً عن صلاح الدين «كان السلطان صلاح الدين شجاعاً شهماً مجاهداً في سبيل الله»، ولكن هذا لا يكفي المؤرخ للحكم على السلطان، حيث يستمر في سرد تلك السمات التي تجعل من صلاح الدين حاكماً يستحق التقدير والتجلة «وما كان يلبس إلا ما يحل لبسه، كالكتان والقطن والصوف، وكانت مجالسه منزهة عن الهزء والهزل، ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل، وكل من جالسه لا يعلم أنه جالس سلطاناً لتواضعه.. وكان لا يلتفت إلى قول منجم، وإذا عزم على أمر توكل على الله»، ولعل هذا من باب نقد معظم سلاطين المماليك الذين جاءت سيرهم وسلوكاتهم الشخصية هم وقوادهم على خلاف ذلك.
يرصد ابن تغري بردي الأحداث والتحولات والحروب والحملات العسكرية والتقلبات السياسية، ويرسم صورة نابضة للمجتمع بشرائحه المختلفة من خلال عين فاحصة تتجول بين البشر والشوارع والحارات، يقول في أحداث عام 855: «وفيها كان تزايد الغلاء حتى خرج عن الحد، وبيع القمح بنحو ألف وخمسمئة درهم للأردب، والفول والشعير بألف درهم للأردب»، ويسترسل في شرح نتائج الغلاء، ويتألم لمعاناة الفقراء، وبعد ذلك يمارس ولعاً ملحوظاً هيمن على كل المؤرخين القدماء بالترجمة للوفيات.

أفق ممتد

ألّف ابن تغري بردي كذلك كتاباً بعنوان «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور»، أكمل فيه التأريخ الحولي لأستاذه الشهير المقريزي الذي توقف في كتابه «السلوك لمعرفة دول الملوك» عند علم 844ه، فأكمل ابن تغري بردي عمله إلى عام 860.
يقول ابن تغري بردي في مقدمة الكتاب السابق: «أما بعد فلما كان شيخنا الإمام الأستاذ العالم العلامة المتفنن رأس المحدثين وعمدة المؤرخين تقي الدين أحمد بن علي المقريز الشافعي، أيقن من حرر تاريخ الزمان وأضبط من ألّف في هذا الشأن وأجل تحفة استفرعها وعمدة ابتدعها كتابه المسمى بالسلوك في معرفة دول الملوك قد انتهى فيه إلى أواخر سنة أربع وأربعين وثماني مئة، وهي السنة التي توفي فيها، ولم يكن من بعده من يعول عليه في هذا الفن ولا من يرجع إليه إلا الشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي، فأردت أن أعلم حقيقة أمره في هذا المعنى، ونظرت فيما يعلقه في تلك الأيام فإذا به كثير الغلطات والأوهام وذلك لكبر سنه واختلاط عقله وذهنه، بحيث إن الشخص لا تمكنه الفائدة من ذلك إلا بعد تعب كثير لاختلاف الضبط وعدم التحرير، فلما رأيت ذلك أحببت أن أحيي هذه السنة بكتابة تاريخ يعقب موت الشيخ تقي الدين المقريزي وجعلته كالذيل على كتاب السلوك المذكور وسميته « حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» ورتبته على السنين والشهور والأيام وجعلت ابتدائي فيه من افتتاح سنة خمس وأربعين وثماني مئة لكن لم أسلك فيه طريق الشيخ المقريزي في تطويل الحوادث في السنة وقصر التراجم في الوفيات، بل أطنبتُ في الحوادث وأوسعت في التراجم». ويظهر هنا بوضوح ولع ابن تغري بردي بالترجمة للناس، فضلا عن تلمذته على أيدي المقريزي، ومغايرة التلميذ لمنهج الأستاذ في العمل.
في كتابه «المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي»، ترجم ابن تغري بردي ل 3000 شخصية في العصر المملوكي، بداية من السلطان عز الدين أيبك حتى عصره، وأتبع فيه من ناحية الشكل التبويب الألفبائي، ومن جهة المضمون بإمكانك أن تعثر فيه على جميع أنواع البشر: سلاطين وأمراء وعلماء ووجهاء ومشاهير وحتى مغنين، وحتى أعلام النساء، يقول عن عالمة دين: «الشيخة المعمرة الصالحة المسندة رفيقة الحجار، أم عبد الله بنت القاضي شمس الدين عمر بن العلامة شيخ الحنابلة وجيه الدين أسعد بن المنجا ابن أبي البركات التنوخية الدمشقية الحنبلية، مولدها أول سنة أربع وعشرين وستمئة. وسمعت صحيح البخاري، ومسند الشافعي من أبي عبد الله الزبيدي، وسمعت من والدها جزأين. وعمرت دهراً. وروت الكثير، وطلبت إلى الديار المصرية، وحجت مرتين، وتزوجت بأربعة، رابعهم نجم الدين عبد الرحمن بن الشيرازي. وكان لها ثلاث بنات. وروت الصحيح مرات بدمشق وبالقاهرة، وقرأ عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبي مسند الشافعي، سمع منها الداني، وابن المحب، وفخر الدين المصري، وصلاح الدين العلائي وابن قاضي الريداني، وخلق كثير، توفيت سنة سبع عشرة وسبعمئة، رحمها الله تعالى».
عاش ابن تغري بردي في القرن التاسع الهجري، وقراءته ممتعة على مستويات عدة، لا سيما لتصوير عصر المماليك أدبياً، أو إعادة دراسة هذه الحقبة بموضوعية من مختلف الأبعاد، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، أو حتى للتعرف إلى مؤرخ يمشي بين الناس، ليتعرف إلى أحوالهم، ومعاناتهم، مؤرخ لم تقتصر وظيفته على القراءة والتلقي، حتى تحوّلت كتاباته إلى موسوعة تؤرخ للمكان والإنسان خلال مرحلة من أخصب مراحل تاريخنا العربي الإسلامي.