د. عارف الشيخ

في بادئ الأمر عندما يقرأ القارئ هذا المقال تحت هذا العنوان، سوف يقول: وما الفرق بين توفي ومات؟ لكن لو عاد إلى مقالنا الذي يسبق هذا المقال مباشرة، لوجد أننا بيّنا الفرق بين الوفاة والموت.
نعم... الوفاة توقف جريان القلم عن المكلف وانقطاع عمله عن الدنيا، أما الموت فهو خروج الروح من جسده وتوقف حياته إلى الأبد.
وعندما نناقش مسألة كهذه والفرق بين الوفاة والموت يتبادر إلى الذهن مباشرة أمر نبي الله عيسى عليه السلام الذي يقول الله تعالى عنه: «إذ قال الله ياعيسى إني متوفّيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون» (الآية ٥٥ من سورة آل عمران).
فقول الله تعالى: إني متوفيك لا يفيد الموت هنا، لأن الموت هو مفارقة الروح للبدن، ولم يحدث هذا للنبي عيسى عليه السلام، بل استوفى الله عمله وأوقف التكليف الدنيوي عليه، فلا يجري عليه القلم ولا يحاسب بعد أن رفعه الله تعالى إليه.
إذاً، نبي الله عيسى حيّ، لأن روحه لم تفارق جسده بدليل أن الله تعالى قال : «وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلاّ اتباع الظن وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً، وإنّ من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً (الآيات 157 - 159 من سورة النساء).
يقول الأستاذ عدنان الغامدي: إنهم لم يقتلوا عيسى بل قتلوا رجلاً وعلقوه على الصليب في حين أنهم لم يكونوا متيقنين من أنه عيسى، وكون أن الله تعالى ينفي القتل عن عيسى والقتل هو الموت، فإننا نتيقن عندئذ أن الموت غير الوفاة التي قال الله تعالى: «إني متوفيك».
فالوفاة حالة متعلقة بالنفس تسبق الموت الذي يرتبط بالروح، فمتى خرجت روحه قيل عنه إنه مات، ولم تخرج روحه بعد بدليل أن الله تعالى يقول: «وما قتلوه»، فكيف يموت وهو لم يقتل بعد أي لاتزال الروح في جسده؟
والدليل الأقوى على أنه حيّ لايزال، وأنّ موته غير وفاته، أن الله تعالى أخبر بأن أهل الكتاب سيؤمنون بعيسى قبل موته، ولو كان قد قتل ومات لما قال: سيؤمنون به.
فهو إذن حيّ رفع إلى مكان ما، يعلمه رب العالمين، وسينزل مرة أخرى ونزوله من علامات الساعة الكبرى التي نؤمن بها نحن أهل السنة والجماعة، بل وأوضح من ذلك كله الآية التي تقول: «ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين» (الآية 76 من سورة آل عمران).
تفيد هذه الآية أن نبي الله عيسى كلم الناس، يوم كان طفلاً في المهد، وكان ذلك معجزته، ثم قال الله تعالى: كهلاً ليشير بذلك إلى نزوله في آخر الزمان فيكلم الناس مرة أخرى بعد أن تخطى مرحلة الطفولة والشباب وصار كهلاً، والكهل هو من جاوز الثلاثين إلى الخمسين من عمره.
ويقول الأستاذ عبد الدائم الكحيل في مقال له عن «الإعجاز العلمي في القرآن الكريم»: «والفرق بين النفس والروح: النفس هي الهالة التي تحيط بالجسم ولا تغادره إلا عند النوم وعند الموت وقد أخبر القرآن الكريم بذلك، والروح ذبذبات غير مرئية ولا يمكن إدراكها بأي جهاز، لكن نرى نتائج وجودها، هذه الذبذبات التي تحرك الخلايا وتدفعها للانقسام والاستمرار في حياتها، فالنفس تموت، والروح أمر لا يعلمه إلا الله تعالى».