ضحى النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً، وصبر كثيراً، من أجل أن يُبَلِّغَ دعوته، ومن أجل أن نكون مسلمين، وجاء في كتاب الشيخ محمود المصري «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: «لما رفض أهل مكة أن يسلموا لله جل وعلا، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبحث عن أرض أخرى تقبل بذرة التوحيد.. فخرج إلى الطائف ماشياً على قدميه من أجل أن يُبَلِّغَ هذه الرسالة.
لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ذهب إلى ثلاثة إخوة من رؤساء ثقيف، وهم: عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير الثقفي، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله، وإلى نصرة الإسلام، فقال أحدهم: إنه سيمرط ثياب الكعبة (أي يمزقها) «إن كان الله أرسلك»، وقال الآخر: أما وجد الله أحداً غيرك؟ وقال ثالث: والله لا أكلمك أبداً، إن كنت رسولاً لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك، فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: «إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني».
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به عبيدهم، فلما أراد الخروج تبعه عبيدهم يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، ووقفوا له صفين وجعلوا يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء، فداه أبي وأمي ونفسي، وكان زيد بن حارثة رضي الله عنه يقيه بنفسه حتى أصيب بجرح في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجؤوه صلى الله عليه وسلم إلى حائط (أي: بستان) لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه.
أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عريشة عنب فجلس تحت ظلها إلى جدار، ودعا ربه فقال: «اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك».
العودة إلى مكة
قفل الرسول صلى الله عليه وسلم عائداً إلى مكة، وهو حزين كسير القلب، فلما بلغ قرن الثعالب بعث الله إليه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال، يستأذنه أن يطبق الأخشبين (أي الجبلين) على أهل مكة.
وجاء في كتاب «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم» لمجدي محمد الشهاوي: «عن محمد بن جبير بن مطعم قال: لما توفي أبوطالب اجترأت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة، وذلك في ليال بقين من شوال سنة عشر من حين نُبِّئَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال محمد بن عمر الواقدي: فأقام بالطائف عشرة أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فلم يجيبوه، وخافوا على أحداثهم، فقالوا: يا محمد اخرج من بلدنا، وأغروا به سفاءهم، فجعلوا يرمونه بالحجارة، حتى إن رِجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعاً إلى مكة وهو محزون، لم يستجب له رجل واحد ولا امرأة، فلما نزل نخلة قام يصلي من الليل، فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا إليه وهو يقرأ سورة الجن، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه: «وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن»، (سورة الأحقاف الآية: 29)، وأقام بنخلة أياماً، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم (يعني قريشاً) وهم أخرجوك؟ فقال: «يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه».
نبي الرحمة
عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً».
هكذا كانت الرحمة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم للناس من حوله وصدق قوله عز وجل: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
وتمر الأيام ويشتد الإيذاء على النبي صلى الله عليه وسلم فيأذن عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى المدينة بعد أن شعر بأن أصحابه سيكونون في أمان في المدينة، وذلك بعد أن بايعه أهلها بيعة العقبة الثانية. فهاجر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وتركوا الديار والأوطان ليفوزوا بنعمة الإسلام والتوحيد. ثم هاجر بعدهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى مكة ويبكي ويقول: «والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وإنك لأحب بلاد الله إلى رسول الله ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت».
خشوع.. ودموع
كان النبي صلى الله عليه وسلم أخشى الناس لله تعالى، وكان يقول عن نفسه: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». رواه مسلم. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أرى ما لا ترون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» «رواه الترمذي».
وعن عبدالله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزير المرجل من البكاء.
وعن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي فقال: «يا عائشة ذريني أتعبد لربي»، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذن بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً لقد نزلت الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: «إن في خلق السموات والأرض»، (آل عمران الآية: 190).
أشد الناس بلاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صَلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». (رواه ابن ماجة)