تحقيق: بكر المحاسنة

أسباب كثيرة أدت إلى انتشار ظاهرة الفضول والتدخل في شؤون الآخرين كالفراغ وعقدة النقص والحسد وزرع البغضاء والكراهية والمشاعر السلبية بين الناس، وفي أحيان كثيرة يكون هذا السلوك مدمراً لصاحبه، وللأسف الشديد قد يفتقر «المتطفل» إلى حاجات نفسية محددة، إلى جانب عدم شعوره الكافي بالرضا عن النفس. وربما تكون نشأته في بيئة اجتماعية ضاغطة وفقيرة في المادة والقيم، ما يجعله يتمادى في فضوله الممقوت تجاه الآخرين.
تقول منى الجعفري موظفة : عادة ما يسمح لأحد الأصدقاء أو الأقارب خصوصاً أسرتي معرفة تفاصيل حياتي على أن يكون الشخص ذو ثقة وعقل راجح، وطبعا هذا يبنى على التجارب فيما بيني وبينه، لذلك يكون لهذا الشخص الأحقية ليعرف عني كل شيء، ولكن هذا الحق يمنح لشخص واحد فقط ويبقى لدى الآخرين خطوط حمراء سواء في حياتي الخاصة. وتضيف قائلة: في حال وجود بعض المتطفلين أنسحب من النقاش بكل هدوء وأبدي عدم رغبتي بالحديث في مواضيع تخصني بطريقة مهذبة.
وتتفق معها في الرأي غادة محمد جواد الخلالية، ربة منزل، فتقول: كثيرون للأسف يمتهنون خاصيّة التدخل والفضول في حياة وشؤون الآخرين وبحكم تجربتي التي عانيت منها لسنوات طويلة من التدخل والفضول توصلت إلى الحل السحري الذي أراحني وأبعد عني المشاكل والهموم وهو عدم تدخلي بحياة الآخرين حتى لو بدا لي أنه أمر عادي، وعدم إطلاعهم على حياتي الشخصيّة
وتؤكد غادة أنه يجب قضاء حوائجك بالكتمان والبعد عن الاهتمام الزائد بالآخرين وعدم الإفراط في العواطف، ومعاملة الصديق أو القريب ضمن ضوابط تضمن لك حريتك وراحتك وأهمها عدم المبالغة في اللقاءات اليومية المتكررة وإذا كان هذا الشخص فضولياً مفروضا على حياتك اليومية أخبره بصراحة وبدون تجريح ألا يتدخل في حياتك.
يقول خالد سامح، كاتب وأديب: في المجتمعات الليبرالية كالدول الغربية حرية الفرد واختياراته مسألة تم تجاوز النقاش بخصوصها منذ أكثر من قرن، أما في بلادنا فالأمر مختلف تماما، فالحياة الشخصية مازالت مستباحة من قبل العائلة والمجتمع والأعراف والتقاليد. بالنسبة لي أرى أن أي محاولة لفرض رؤية فكرية عليّ من آخرين تعد سافر على حقي الطبيعي، كما أنني أرفض توجيهات البعض بخصوص الواجبات الدينية إذا تجاوزت النصيحة وتحولت الى إلحاح دائم، وأتحفظ على الأسئلة المتعلقة بعلاقاتي العاطفية ودخلي الشهري وأسباب زيارتي للطبيب وما إلى ذلك. أما كيف أواجه تلك المشكلة، فقد كنت في مستهل مرحلة الشباب أخجل من صد أولئك المتطفلين بأسئلتهم المستفزة، أما الآن أحاول في البداية وبطريقة دبلوماسية وضع حد للمتطفل وإذا قام بتكرارها فإنني أضطر أن أطلب إليه عدم توجيه أية أسئلة لا تخصه، أما في حال كنت أنا المتطفل وسألت ولو بطريقة عفوية في مسألة خاصة فإنني أعتذر فوراً حتى في الحالات التي لا يبدي فيها الشخص المقابل أي تبرم أو تحفظ على سؤالي أو استفساري.
تقول آيات عبد الكريم العزام، موظفة: هناك الكثير من المواقف أو الحالات التي تواجهني من قبل صديقاتي أو أقاربي تدور في فلك التدخل في حياتي والبحث عن أسرار حياتي مثل أسلوب تعاملي مع أطفالي، والنهج الذي أتبعه في تربيتهم، وعلاقتي بزوجي والمشاكل التي تحدث بيننا، فهذه الأسئلة تشكل لدي حالة من الانزعاج، وفِي الغالب أحاول أن أتهرب من الإجابة بطريقة لبقة.

عدم الرضا

فائزة عبد الأمير جاسم، أخصائية نفسية تقول: التطفل سلوك اجتماعي غير مرغوب فيه تكمن وراءه دوافع، كأن يفتقر «المتطفل» إلى حاجات نفسية محددة، إلى جانب عدم شعوره الكافي بالرضا عن النفس، والنقص في الإشباع النفسي والعاطفي، وعوزه للحب والمحبة والتقدير الاجتماعي، وتوقه للنجاح والاحترام، وافتقاده للشعور بالراحة النفسية والجسدية والاجتماعية يجعله يتمادى في فضوله الممقوت، ويتخذ هذا السلوك مناحي وصوراً متعدده تؤذيه وتؤذي المحيطين به، حيث من أبرز دوافع «المتطفل» بصورة أكثر تحديداً من الجانب النفسي والتي تدفعه «لدس أنفه» كما يقال في شؤون الآخرين الخاصة، الصراع النفسي الداخلي، وإخفاق حيل الدفاع لديه، والخبرات السيئة الصادمة التي مر بها، وربما أحياناً الإصابة السابقة باضطراب نفسي، تدفعه لتبني هذا السلوك غير السوي، وربما يكون نشأته في بيئة اجتماعية ضاغطة وفقيرة في المادة والقيم، والاضطراب الأسري، وضعف التواصل الاجتماعي، والفراغ والبطالة، وضعف الوازع الديني، وكذلك التطور السريع في الحياة الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي، كل هذه الأمور تمثل جوانب مؤثرة ودافعة لظهور هذا السلوك.
وتؤكد أن الآثار السلبية لسلوك التطفل تتخذ منحيين مؤثرين، سواء على مستوى الشخص «المتطفل» حيث إنه يجد صعوبة في المشاركة الفعالة مع الآخرين، ويفتقد في كثير من الأحيان للشعور بالسعادة والطمأنينة، ويصبح منبوذاً وغير مقبول من محيطه، وينخفض مستوى اتزانه الانفعالي في المواقف المختلفة، أما من يكونون ضحية «للمتطفل» فإنهم يتعرضون من قبله للضغط النفسي، ويشعرون بانعدام حريتهم الشخصية كحق لهم يجب أن لا ينتهك، وقد يؤدي التطفل إلى اضطراب وتفكك في العلاقات الأسرية، ومشكلات أخلاقية، وضغوط اجتماعية قد لا تحمد عقباها.