رحب خبراء في الدولة التوجه نحو إصدار قانون اتحادي للتحكيم في الدولة للمرة الأولى، خاصة وأنه قد طال انتظاره في دولة تعد من الأبرز في مجال التحكيم، ليس على المستوى المحلي أو الإقليمي بل الدولي أيضاً، وشددوا على أن وجود قانون في حد ذاته أمر جيد لتنظيم آليات التحكيم.
وقال الخبير القانوني حبيب الملا في تصريحات خاصة، إن صدور القانون تأخر لأكثر من 10 سنوات، فالإمارات آخر الدول التي تعتمد قانون التحكيم على مستوى دول مجلس التعاون على الرغم من كونها الأكثر نشاطاً على مستوى التحكيم.
أكد حبيب الملا على أهمية وجود القانون الذي يدعم منظومة قانونية شاملة تساعد القضاء على الفصل في قضايا التحكيم، ولفت إلى أنه كان يحبذ لو تم اعتماد قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم المعتمد من قبل الأمم المتحدة، وقال إن هذا القانون معروف عالمياً وأخذت به دول عدة في العالم بعد أن عدلته بما يناسب متطلباتها وظروفها، وأضاف أن اعتماد قانون معروف عالمياً يبقى أفضل من اعتماد آخر جديد.
وأضاف أن القانون الجديد في الإمارات اعتمد على القانون المصري في مجال التحكيم، وهو قانون جيد، مؤكدا أن وجود قانون في حد ذاته أمر جيد لتنظيم آليات التحكيم، لكنه يأخذ عليه عدم تغطيته أو معالجته التحكيم المؤسسي الموجود في الدولة في مراكز التحكيم المختلفة والمتعددة فيها. وقال إن القانون لم يأخذ بعين الاعتبار التحكيم المؤسسي الموجود في هذه المراكز ولم يعط وضعية قانونية للقواعد الإجرائية التي تحكم هذه المراكز، وأضاف أنه من المهم وجود فصل خاص في القانون يغطي عمل هذه المراكز.
ولفت إلى نقطة مهمة في مسودة القانون، وهي ليست نهائية، حيث من المتوقع أن تدخل عليها تعديلات بعد أن جرت مناقشتها أمام المجلس الوطني مؤخراً، وتتمثل هذه النقطة في تنفيذ الأحكام، حيث جعل القانون الطعن في الأحكام أمام مرحلة الاستئناف وكان من الأفضل أن تكون ضمن دوائر خاصة بتنفيذ الأحكام كما هو الحال في عدة دول بالعالم. وقال إن تنفيذ أحكام التحكيم وفقا للقانون الجديد يحتاج مراجعة قضائية، الخطوة التي يرى أنه لم يكن لها ضرورة، فقد كان من الممكن أن يتم دعم تنفيذ أحكام التحكيم مباشرة. ونصت المسودة على أن حكم التحكيم الصادر وفقاً لأحكام هذا القانون ملزم للأطراف، ويحوز حجية الأمر المقضي، ويكون له ذات القوة التنفيذية كما لو كان حكماً قضائياً، إلا أنه يشترط لتنفيذه الحصول على قرار للمصادقة عليه من المحكمة.
مواكبة النمو الاقتصادي
من جانبه قال الخبير القانوني محمد أبو شعبان في تصريحات خاصة أن مشروع القانون الاتحادي بشأن التحكيم يأتي ضمن جهود الحكومة الرشيدة الرامية إلى تنفيذ استراتيجية الدولة بشأن تحديث القوانين والتشريعات الاقتصادية والتجارية لتتواكب مع النمو الاقتصادي الحالي والمستقبلي للدولة.
وقال: نري من خلال هذا المشروع أن الإمارات تسير قدماً لإدخال قانون تحكيم عالمي وقد نتوقع أن يدخل هذا المشروع حيز التنفيذ في القريب العاجل حيث تم مناقشته وإقراره في المجلس الوطني الاتحادي ورفعة لصاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ورعاه للمصادقة عليه.
وأكد أن أهمية المشروع الجديد للقانون الاتحادي بشأن التحكيم تتمثل في جوانب عديدة، حيث جاء نطاق سريان القانون على كل تحكيم يجري في الدولة ما لم تتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام قانون تحكيم آخر شريطة عدم تعارضه مع النظام العام والآداب العامة للدولة. وعلى كل تحكيم تجاري دولي يجري في الخارج وتتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون، ويتم ذلك وفقاً لأفضل الممارسات الدولية المعمول بها، ما يدل على رغبة المشرع الواضحة بأن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة دولة ذات مصداقية في عمليات التحكيم عالميا وأن تكون مركزاً إقليمياً لحل النزاعات خصوصاً التجارية، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى جذب الاستثمار، وتحقيق مزيد من النمو والاستقرار للاقتصاد الوطني للدولة.
وقال إنه نظراً لما يمتاز به التحكيم من حرية في اختيار المحكمين، وسهولة الإجراءات، والسرية، وحفظ الود بين الأطراف، والخصوصية، والسرعة في حل المنازعات، فإنه بلا شك سيسهم في تقليل عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم، والتخفيف من الأعباء عليها، ومن ثم ينعكس بشكل كلي لخدمة مصالح الدولة. وأضاف قائلاً إن مشروع القانون الاتحادي بشأن التحكيم وتنفيذ قرارات التحكيم جاء مستفيضاً ويغطي جميع الجوانب القانونية في ما يتعلق بالتحكيم، حيث تضمن المشروع 61 مادة، مقسمة على ستة فصول.
يزيد جاذبية الأعمال
وقال أليكس بيفان الشريك المدير لمكتب أبو ظبي لدى شركة شيرمن وسترلنغ إن القانون الجديد محل ترحيب، خاصة وقد طال انتظاره، وأن المسودة بصيغتها الحالية جيدة للغاية.
وقال إن الخطوة في حد ذاتها على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لتطوير قطاعات الأعمال في الدولة، فعلى الرغم من وجود القواعد الإجرائية التي شجعت نمو وتطور مراكز التحكيم في الدولة إلا أنه من المهم بطبيعة الحال إقرار واعتماد قانون تحكيم على المستوى الاتحادي ما يزيد جاذبية الأعمال في الدولة.
من جانبها أكدت لارا حمود مستشار قانوني أول لدى مجموعة «أدنوك» على أهمية اعتماد القانون الذي طال انتظاره، فالممارسون في مجال التحكيم بانتظار صدور القانون منذ انضمت الإمارات إلى اتفاق نيويورك للتحكيم عام 2006.
وأضافت قائلة إن مسودة القانون تضمنت العديد من القوانين المهمة التي أوضحت الصورة إلى حد كبير على مستوى عملية التحكيم ما من شأنه أن يدعم جاذبية الدولة أمام قطاعات الأعمال.
وقالت إن القانون يستند في جانب منه إلى قانون اليونسترال النموذجي، وإن كان لم يعتمده بشكل كامل كما فعلت البحرين على سبيل المثال.
ولفتت إلى أنه عمل على توضيح العديد من النقاط التي كانت تحدث مشاكل في التطبيق في السابق، وقالت: «على سبيل المثال من الممكن اليوم أن يتم إبطال حكم تحكيم لعدم توقيع المحكمين على كل صفحة من صفحات قرار التحكيم».
وأضافت أن المحكم عليه أن يتواجد في الإمارات لتوقيع كل صفحة رغم أنه في بعض الحالات يكون مقيما خارج الدولة، أما في ظل مسودة القانون الجديد فمن الممكن أن يقوم المحكم بتوقيع القرار في محل صدوره لو كان خارج الإمارات ومن ثم يرسله إلى الدولة. وقالت إن هذه بالفعل واحدة من النقاط المهمة.
ولفتت إلى أن المسودة وضعت حدا للجدل حول حق توقيع شروط التحكيم في عقود لشركات حيث يعتبر القانون شرط التحكيم منفصلا عن العقد.
وأضافت قائلة: إن مسودة القانون كذلك عالجت نقطة بالغة الأهمية عندما حددت مهلة 30 يوما من صدور قرار التحكيم لطلب إبطاله، ففي السابق لم تكن هناك فترة زمنية محددة.
ومن النقاط المهمة التي لفتت لها حمود كذلك شرط سرية أحكام المحكمين.
وقالت إن المسودة عالجت العديد من البنود العالقة، وهي خطوة مهمة، لافتة إلى أهمية اعتماد القانون لتعزيز جاذبية قطاعات الأعمال في الدولة.
إجراءات التحكيم
وحول بعذ البنود في المسودة قالت مصادر ل« الخليج» أنه يجب على المحكمة التي يرفع إليها نزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيم أن تحكم بعدم قبول الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك، ولا يجوز رفع الدعوى دون البدء في إجراءات التحكيم أو الاستمرار فيها أو إصدار حكم تحكيم.
و أن يكون التحكيم ذا صفة دولية حتى لو جرى داخل الدولة، في حال كان المركز الرئيسي لأعمال الأطراف يقع في دولتين مختلفتين أو أكثر وقت إبرام اتفاق التحكيم، وإذا كان مكان إجراء التحكيم أو تنفيذ جزء جوهري منه يقع خارج الدولة التي يقع فيها المقر الرئيسي لعمل أي من الأطراف.
ويعد التحكيم ذا صفة دولية أيضاً إذا كان موضوع النزاع الذي ينصب عليه الاتفاق يرتبط بأكثر من دولة واحدة، وإذا اتفقت الأطراف صراحة على أن موضوع اتفاق التحكيم يتعلق بأكثر من دولة.
نطاق سريان القانون
تسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم يجري داخل الدولة ما لم تتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام قانون تحكيم آخر، وكل تحكيم تجاري دولي يجري في الخارج تتفق أطرافه على إخضاعه لأحكام هذا القانون، وكل تحكيم ناشئ عن نزاع بشأن علاقة قانونية عقدية كانت أو غير عقدية تنظمها القوانين النافذة في الدولة إلا ما استثني فيها بنص خاص.
أهلية الاتفاق على التحكيم
وأضافت أن يكون الاتفاق على التحكيم من الشخص الطبيعي أو الاعتباري الذي يملك التصرف في حقوقه وفقا للقانون الذي يحكم أهليته، ويجوز للأطراف تفويض الغير لاختيار هذا الإجراء أو البت فيه. ولا ينقض الاتفاق بوفاة أحد الأطراف ويمكن تنفيذه بواسطة الخلف القانوني لذلك الطرف أو في مواجهته.
كما يجوز أن يكون اتفاق التحكيم سابقاً على قيام النزاع سواء أكان مستقلاً بذاته أو ورد في عقد معين بشأن كل او بعض المنازعات التي قد تنشأ بين الأطراف. ويجوز كذلك أن يتم الاتفاق بعد قيام النزاع ولو كانت أقيمت في شأنه دعوى أمام جهة قضائية، وفي هذه الحالة يجب أن يحدد الاتفاق المسائل التي يشملها التحكيم.
استقلالية اتفاق التحكيم
ويجب أن يكون اتفاق التحكيم مستقلاً عن شروط العقد الأخرى، ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على اتفاق التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الاتفاق صحيحا في ذاته. ولا يترتب على الدفع ببطلان أو فسخ أو إنهاء العقد الذي تضمن الاتفاق على التحكيم وقف إجراءات التحكيم ولهيئة التحكيم أن تفصل في مدى صحة ذلك العقد.
اتفاق التحكيم
كما يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوباً وإلا كان باطلاً، ويعد الاتفاق مستوفياً شرط الكتابة إذا أحيل في عقد ثابت بالكتابة إلى أحكام عقد نموذجي أو اتفاقية دولية أو إذا تضمنه محرر وقعته الأطراف أو ورد في ما تبادلوه من رسائل أو غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة أو تم بموجب رسالة إلكترونية، وإذا تم الاتفاق عليه أثناء نظر النزاع من قبل محكمة ذات اختصاص، وفي هذه الحالة على المحكمة أن تحيل النزاع إلى التحكيم.
تشكيل هيئة التحكيم
تشكل هيئة التحكيم باتفاق الأطراف من محكم واحد أو أكثر، فإذا لم يتفقوا على عدد المحكمين كان العدد ثلاثة، ما لم تر الجهة المعنية غير ذلك، ونصت المسودة على أنه في حال تعدد المحكمين وجب أن يكون عددهم وتراً.
بيانات حكم التحكيم
يصدر حكم التحكيم كتابة، وبأغلبية الآراء إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من محكم، وإذا تشعبت آراء المحكمين بحيث لا تحقق معها الأغلبية، أصدر رئيس هيئة التحكيم الحكم إلا إذا اتفق الأطراف على خلاف ذلك، وفي هذه الحالة يجب كتابة أو إرفاق الآراء المخالفة، وتعتبر جزءاً لا يتجزأ من الحكم.
يوقع المحكمون الحكم، وإذا رفض أي منهم توقيعه وجب ذكر سبب عدم التوقيع، ويكون الحكم صحيحاً إذا وقعه أغلبية المحكمين.
يجب أن يكون حكم التحكيم مسبباً إلا إذا اتفق الأطراف على غير ذلك، أو كان القانون الواجب التطبيق على إجراءات التحكيم لا يشترط ذكر أسباب الحكم.
الطعن على الحكم
لا يقبل الطعن على حكم التحكيم إلا بموجب رفع دعوى بطلان إلى المحكمة وعلى طالب البطلان أن يثبت أسباب البطلان. ويعتبر الحكم الصادر من المحكمة في دعوى البطلان نهائياً ولا يقبل الطعن إلا إذا صدر ببطلان حكم التحكيم. ولا تسمع دعوى بطلان حكم التحكيم بعد مرور الثلاثين يوماً التالية لتاريخ تبليغ حكم التحكيم من الطرف طالب البطلان.
ويترتب على الحكم ببطلان حكم التحكيم زوال ذلك الحكم كله أو جزء منه، بحسب ما إذا كان البطلان كلياً أو جزئياً، وإذا كان قد صدر حكم بتفسير الجزء الذي حكم ببطلانه فإنه يزول تبعاً له.
ونصت المسودة على عدم جواز الطعن على قرار المحكمة الصادر بالأمر بتنفيذ حكم التحكيم، أما الحكم الصادر برفض التنفيذ، فيجوز الطعن فيه أمام محكمة الاستئناف المختصة خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي للتبليغ.
وتسري أحكام هذا القانون على كل تحكيم قائم وقت العمل به ولو استند إلى اتفاق تحكيم سابق عليه، على أن تبقى الإجراءات التي تمت وفق أحكام أي تشريع سابق صحيحة.
مكان التحكيم
للأطراف الاتفاق على مكان التحكيم، فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم، وذلك مع مراعاة ظروف الدعوى، وملاءمة المكان لأطرافها.
و لهيئة التحكيم، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك الاجتماع في أي مكان تراه مناسباً للقيام بأي إجراء من إجراءات التحكيم، مع إبلاغ الأطراف قبل موعد الاجتماع بوقت كاف. كما لها إجراء الاجتماعات مع الأطراف أو المداولة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات والإلكترونية الحديثة، وتقوم هيئة التحكيم بتسليم أو إرسال محضر الاجتماع إلى الأطراف.
وتتم إجراءات التحكيم باللغة العربية، ما لم يتفق الأطراف على غير ذلك.
شروط المحكم
يشترط في المحكم أن يكون شخصا طبيعيا غير قاصر أو محجور عليه أو محروم من حقوقه المدنية بسبب الحكم عليه في جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة أو بسبب إشهار إفلاسه ما لم يرد إليه اعتباره. لهيئة التحكيم استجواب الشهود بمن فيهم شهود الخبرة، من خلال وسائل الاتصال الحديثة التي لا تتطلب حضورهم بشكل شخصي للجلسة كالتداول بوسائل الاتصال المرئية. إذا اتفق الأطراف قبل صدور الحكم النهائي على تسوية تنهي النزاع، فلهم أن يطالبوا بإثبات التسوية أمام هيئة التحكيم، ويجب عليها في هذه الحالة أن تصدر حكم تحكيم اتفاقياً يتضمن شروط التسوية وينهي الإجراءات، ويكون لهذا الحكم ما لأحكام المحكمين من آثار. ويبلغ الحكم للأطراف وذلك بتسليم كل منهم أصل حكم التحكيم أو صورة منه موقعة من المحكم على أن يتم ذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدور الحكم.