إعداد: قرشي عبدون

مدينة صناعية وجامعية تقع على ضفاف نهر الراين غرب ألمانيا، في ولاية شمال الراين - وستفاليا، يتجاوز عدد سكانها 800 ألف نسمة حسب إحصائيات 2006. ربما استمدت كولونيا المتلألئة شهرتها من كاتدرائيتها التي يكسوها الوقار، إلا أن الحب الكبير الذي يسكنها والأجواء الممتعة والمرحة التي تصنعها تتجلى في حركة سكانها وشوارعها الأنيقة المنظمة. أول ما يقابل القادمين الجدد هما البرجان التوأمان، حيث يعتبر موقعهما من أكثر المواقع زيارة في ألمانيا، وهما مدرجان على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، فرسومهما الممزوجة مع انحناءات جسر هوهنزولرن المجاور هي الرموز التي تمثل المدينة.
تتخذ الفنون في كولونيا أشكالا عديدة، من الفسيفساء الرومانية والنوافذ الزجاجية الملونة إلى المتاحف الفنية العالمية المتمثلة في أعمال الفنانين من أمثال بابلو بيكاسو واندي وارهول وروي ليختنشتاين. من ثم هناك الجاذبية العريقة للبلدة القديمة، بشوارعها الضيقة ومنازلها الملونة بدرجات ألوان الزيت، وفي حين أعيد بناء معظمها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إلا أن حدائقها الرائعة وحياتها الممتعة المتمهلة تضفي عليها أجواء رومانسية فريدة تماما كما في باريس وروما.
تضم المدينة حدائق حيوانات للأطفال تصنف واحدة من افضل الحدائق في العالم، ومع ذلك فإن أكثر ما يجذب الكبار هي أماكن الترفيه المذهلة والمطاعم الراقية مع نادليها الذين يقدمون أشهى المأكولات بملابس بيضاء أنيقة في المدينة، غير أن فن الطبخ في كولونيا لا ينتهي إلى هذا الحد، فهي تضم أيضا مطاعم من سلسلة ميشلين التي تقدم أطباقا بالنكهات الآسيوية والفرنسية.
إنها مدينة تنسي زوارها وسياحها بحسنها وجمالها الوقار ويصعب فيها ضبط النفس. على الرغم من ازدهار الكاثوليكية هنا وامتلاء شوارعها بالحشود خلال الكرنفال السنوي قبل الصوم الكبيرة، كذلك تعتبر مكانا حيويا متعدد الثقافات، كما أن مسيرات الفخر هي بعض من أفضل المناسبات التي يمكن حضورها في ألمانيا. تضم أيضا المدينة متحفا للشوكولا، يتباهى بموقعه على ضفاف نهر الراين، إنها مدينة تعرف ما هي أولوياتها الآن.
كولونيا التاريخ
نهوضها من جديد بعد أن دمرت خلال الحرب العالمية الثانية حتى أنها أصبحت في طي النسيان، يثبت مرونة الروح البشرية، ومع ذلك يمتد تاريخها إلى ما وراء الأيام السوداء للقرن العشرين. بدأت الحياة فيها منذ أيام الاحتلال الروماني التي استمد منها اسمها، حيث كانت من المدن الاستراتيجية الهامة.
ازدهر المذهب الكاثوليكي في هذا الجزء من الامبراطورية الرومانية. بدأت عمليات البناء في كاتدرائيتها المهيبة التي تضم بقايا الملوك الثلاثة في 1248، واستمر العمل فيها حتى 1473 وحينها لم يكن قد اكتمل بناء قبته، وعلى الرغم من ذلك كانت أطول مبنى في العالم، تجذب السياح من كل أنحاء العالم، لاسيما أوروبا. وفي القرن التاسع عشر بدأ العمل مرة أخرى في الكاتدرائية ليكتمل في 1880، إلا أن مياهاً كثيرة مرت تحت الجسر خلال تلك الفترة، أبرزها المناوشات المتكررة مع الفرنسيين.
وفي أعقاب حروب الثورة الفرنسية، أصبحت كولونيا تحت سيطرة فرنسا، حيث تم إغلاق جامعة كولونيا ومنح كل سكانها المحليين حق المواطنة الفرنسية.
بعد الفرنسيين جاء البروسيون، وبعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى انتقل إليها البريطانيون لفترة من الوقت. تم تحويل التحصينات الدفاعية في زمن الحرب إلى أحزمة خضراء (غرونغرتيل) وأعيد افتتاح جامعة كولونيا من جديد في عام 1999.
وفي نهاية الحرب العالمية الثانية ضمت كولونيا إلى ألمانيا الغربية لتبدأ الازدهار، وتم إعادة ترميم البلدة القديمة جنبا إلى جنب مع كنائسها ذات العمارة «الرومانسيك».
في الآونة الأخيرة، صنعت كولونيا لنفسها اسماً في وسائل الإعلام، وأسست أكاديمية الفنون الإعلامية، ومدرسة السينما الدولية وميديا بارك على مدى العقود القليلة الماضية، فضلا عن شبكة المواصلات العامة الرائعة التي جعلت المدينة إحدى أسهل الوجهات للوصول إليها في غرب ألمانيا.
أوقات الزيارة
مناخها يماثل مناخ شمال أوروبا إلى حد كبير، بارد ويبعث على الاسترخاء، حيث يكون الطقس ممتعاً من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني حتى مارس/ آذار، إضافة إلى أشعة الشمس المتفرقة الجميلة خلال بقية العام، ممزوجاً بالأمطار التي لا يمكن التنبؤ بها، ولو أراد المرء أن يستمتع اكثر ينصح بالسفر إليها في الفترة ما بين شهري مايو/ أيار وسبتمبر/ أيلول وهذه هي الفترة المناسبة لتجنب الزحام والأسعار المرتفعة للفنادق ولأماكن الإيواء.

أهم مناطق الجذب

حديقة الحيوان:
تعتبر حديقة حيوان كولونيا الأفضل في عموم أوروبا، من موقعها وعدد حيواناتها، حيث تضم أكثر من 400 حيوان تمثل 500 نوع من أنواع الحيوانات، كما أنها تشبه في تنوعها الحديقة النباتية التي بجوارها، كما انه من الممكن للسياح الخروج في نزهة عبر الطائرة العمودية لرؤية المناظر البانورامية فوق نهر الراين أو من خلال استغلال التلفريك من منتصف مارس إلى نوفمبر تشرين الثاني.

متحف والراف ريشارتز:
يضم هذا المتحف أعمالا فنية يعود تاريخها إلى أكثر من 700 عام، فأول عمل فني يعود غلى عام 1300، حيث يأخذ السياح في نزهة جمالية وصولا المدرسة الانطباعية التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر، إنه من الصعب استيعاب كل المقتنيات والاطلاع على الأعمال الفنية الموجودة خلال زيارة واحدة، لكن ليس هناك ما يمنعك لتعود إليه.

كاتدرائية كولونيا:
لا يمكن تفويت فرصة على زيارتها بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حيث تعتبر هذا المبني الضخم من اجمل المباني في العالم، حيث تضم عددا من الكنوز، فقم بالبحث عن التابوت الذهبي والنوافذ الزجاجية الملونة التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى، وتسلق الدرج المؤلف من 509 خطوات لمشاهدة أروع المناظر الخلابة.

مسجد كولونيا المركزي:
قامت الجالية المسلمة بالمدينة ببناء مسجد جديد ضخم في زاوية فينلور «ستري وإنير كانالستراس» في منطقة إهرنفيلد. يتميز المبنى بالمزج بين الزجاج والخرسانة والخشب وكذلك بقبة شفافة تبدو خفيفة للغاية وذلك بسبب استخدام المهندس المعماري الزجاج في معظم أجزائها. يحيط بالمسجد مئذنتان دقيقتان في شكلهما، يبلغ طولهما 55 متراً، إضافة إلى غرف الصلاة، يشمل المركز مكتبة ومكاتب إدارية.

مركز وثائق تاريخ النازية:
يتيح هذا المركز إلقاء نظرة لا مثيل لها على الفترة المظلمة للنازيين في تاريخ ألمانيا، حيث يقبع داخل المقر الرئيسي لجستابو السابق بالمدينة، اليوم يحاول المركز تثقيف الناس وتخليد ذكرى أولئك الذين فقدوا أرواحهم خلال حكم الرايخ الثالث.

مبنى البلدية:
لوألقيت نظرة على هذا المبنى سيبدو كغيره من المباني الإدارية بالمدينة حيث الرزانة والعراقة بتماثيله الحجرية التي تمثل الشهامة والنبل، حيث 100 منها تحدق إلى الأسفل، من الملوك والملكات والقساوسة والمبشرين وبمجرد أن تكون قد فرغت منها، سيكون من الصعب عليك الاطلاع على رفات الرومانيين والمنحوتات الخشبية المثيرة للدهشة.

متحف الشوكولا:
يوجد داخل مبنى رائع على ضفاف نهر الراين، فهذا المعرض التثقيفي والترفيهي يضم كل جانب من جوانب تاريخ الشوكولا ويمثل خط الإنتاج الفعلي الذي يظهر في نافورة الشوكولا، يعرض المتحف أيضا زبدة الكاكاو والفانيلا ومادة الليستين الدهنية، كما يسلط المتحف الضوء على تاريخ الأطعمة الاستوائية وأصول الوجبات الخفيفة اللذيذة.

جسر هوهنزولرن:
في حين تنتشر فكرة أقفال الحب في العالم كله، إلا أن ذات الفكرة تأخذ شكلا مختلفا في كولونيا، ففي أغلب الأماكن يضع العشاق قفلا واحدا على جسر ثم يقومون بحفر أسمائهم عليها، ويقذفون بها إلى النهر تخليدا لحبهم لبعضهم البعض، فيما في البلدان الأخرى من العالم يقوم العشاق بتشبيكها وقفلها على سياج الجسر نفسه. وقد وضعت كولونيا أسلوبها الخاص من خلال استبدال الأقفال بأطواق الدراجات التي تتخذ شكل القلب مع أصفاد لامعة الشكل.