حين نزلت سورة «إذا زلزلت الأرض زلزالها»، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعداً فبكى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: أبكتني هذه السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم لا تخطئون ولا تذنبون لخلق الله أمة من بعدكم يخطئون، ويذنبون فيغفر لهم».
بكى الصديق مشفقاً من قوله عز وجل: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، وسبب نزولها أن رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا شيء، وإنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير مثل الكذبة والغيبة والنظرة ويقول: ليس عليّ من هذا شيء، إنما أوعد الله بالنار على الكبائر، فأنزل الله عز وجل مرغباً في القليل من الخير، فإنه يوشك أن يكثر، ويحذر من الذنب اليسير، فإنه يوشك أن يكثر.
وفي الحديث أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد عظني ولا تطل، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى في سورة الزلزلة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)، قال الأعرابي: كفيت، فقال صلى الله عليه وسلم: «فقه الرجل».
تحذير نبوي
وفي السنة الصحيحة من الأمثال والقصص ما يبين بجلاء معنى هذه القاعدة العظيمة، فقد جاء في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم «بينما كلب يطيف بركية (أي بئر) قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني ««إسرائيل»»، فنزعت موقها (خفها) فاستقت له به، فسقته إياه فغفر لها به»، واتفق البخاري ومسلم على الحديث الذي يخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم «عن امرأة دخلت النار في هرة، ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى نفقت هزلاً»، والمقصود ألا يزهد المؤمن في أي عمل صالح وإن ظنه صغيراً لأنه لا يدري ما العمل الذي يدخله الجنة، وقد أوصانا نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال فيما رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق».
لا تستهن بالمعروف ولا تستصغر الذنب وقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من خطر استصغار الذنوب والاستهانة بها فقال صلى الله عليه وسلم: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه»، (وفي رواية): «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه».
وتأمل في المثل الوارد في هذا الحديث الصحيح حيث قال صلى الله عليه وسلم: «إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات، كمثل رجل كانت عليه درع، (لباس من حديد يرتديه المقاتل) ضيقة، قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت الأخرى، حتى يخرج إلى الأرض».
بين رؤيتين
تسري الذنوب في الأعمال حتى تدمر دين صاحبها، وفي المسند وجامع الترمذي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المؤمن إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه»، فإذا غطت الذنوب القلب فلا تسل عن سبب غشيان المعاصي ومداومتها والتكاسل في أداء العبادة وحب المعصية وإلفها وفتور العزيمة، بل وفتور الإيمان، ولا علاج بغير إزالة تلك الذنوب بالتوبة.
ولقد لفت نظر الصحابي الجليل أنس، رضي الله عنه، الذي عاش بعد رحيل الجيل الأول من الصحابة، انتشار ظاهرة استصغار الذنب، فقال لمن حضروا إليه من التابعين: «إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات»، فانظر إلى تلك الأعمال التي يراها الصحابة من المهلكات، ويراها التابعون أصغر من الشعر وأدق منه، وأسأل: ما حالنا وقد بعدت بنا المسافة في الزمن، والمسافة بين العمل الذي كانوا عليه، والذي نحن عليه الآن؟، وانظر إلى ابن مسعود رضي الله عنه وهو يقول: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا أي بيده فذبه عنه».
وذكر أهل العلم أن الصغيرة قد يقترن بها من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف من الله مع الاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في رتبتها، فإن أكثر العبد منها، واستهان بها أوردته النار.
مهلة التوبة
وعلى المرء أن يدرك أن المعصية الصغيرة هي معصية لله عز وجل وهي تشترك في هذه الصفة مع الكبائر، وقال ابن القيم رحمه الله: «هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف، والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى المراتب، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره».
ومهلة التوبة مفتوحة بعد كتابة الذنب إلى ما قبل حضور الأجل، ولكن مصيبة كثير من الناس أنهم لا يرجون لله وقاراً، فيعصونه بأنواع الذنوب ليلاً ونهاراً، ولا يؤوبون إليه بالاستغفار، وكثير منهم ابتلوا باستصغار الذنوب، فترى أحدهم يحتقر في نفسه بعض الصغائر، ويسأل بعضهم باستخفاف إذا علم بحرمة مسألة كم سيئة فيها؟ ويسأل بعضهم: أهي كبيرة أم صغيرة؟، وعن سعيد بن جبير قال: إن رجلاً قال لابن عباس رضي الله عنهما: كم الكبائر؟ أسبع هي؟ قال: «إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار».
ومن محقرات الذنوب العادات الذميمة التي يعتادها المرء ولا يكلف نفسه بالإقلاع عنها، فالعادة تتكرر على الدوام، فتتكرر المعصية مرات كثيرة، وبذلك تزداد العقوبة عليها، وعلى المرء الذي ابتلي بعادة سيئة أو اعتاد مخالفة معينة لكتاب الله وسنة رسوله أن يجهد نفسه بالإقلاع عنها قدر الإمكان، فإن مجاهدة النفس لكي تقلع عن عادة سيئة هي من صالح الأعمال.
نعمة الاستغفار
وقد يثيب الله تعالى المرء بمساعدته على الإقلاع عن تلك المعصية نهائياً أو أن يغفرها له، فعن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له»، ثم قرأ هذه الآية: «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون».
وعن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه، فاتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره»، ثم قال: «ردوه علي»، فردوه عليه فقرأ عليه: «أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين»، فقال معاذ: يا رسول الله أله وحده أم للناس كافة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «بل للناس كافة» (رواه مسلم).