د. محمود أبو زيد الصوصو *

خلق الله الناس لعبادته ولعمارة أرضه، وسواء كان المكلفون مسلمين أم غيرَ مسلمين فإنهم متساوون في ظل أحكام الإسلام من دون ظلم لأحد على أحد، ولكن في عصرنا الحاضر كثر ظلم العباد لأنفسهم بارتكابهم الكبائر والمعاصي، وظلمهم لغيرهم مادياً ومعنوياً، وظلمهم لخالقهم سبحانه وتعالى.
فما معنى الظلم، وما أنواعه، وما حكمه في ميزان الإسلام؟
الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه والجور ومجاوزة الحد.
وقال ابن رجب: «الظلم المطلق أخذ ما ليس له أخذه، ولا شيء منه في مال أو دم أو عرض».
يُقسم الظلم إلى ثلاثة أنواع:
الأول: ظلم العبد نفسه بالشرك، والثاني: ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله، والثالث: ظلم العبد غيره من العباد، ودليل هذه الأنواع ما ورد في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الدواوين عند الله عزَّ وجلَّ ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله، فأمَّا الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال الله عزَّ وجلَّ: (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة)، وأمَّا الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يغفر ذلك ويتجاوز إنْ شاء، وأمَّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة].
والظلم بأنواعه الثلاثة محرم في الإسلام، وقد أجمع العلماء على تحريمه، واستدلوا على ذلك من القرآن والسنة.
1 - من القرآن: قول الله تعالى: «والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً»، [الأحزاب: 58].
ومن الآيات الدالة على تحريم الظلم قوله تعالى في سورة النساء بعد ذكره جملةً من الأحكام:
((ومَنْ يفعل ذلك عُدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً ))[ النساء:30].
2 - ومن السنة: ما رواه الإمام مسلم عن سيدنا جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [اتقوا الظلم فإنَّ الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة].
وما رواه الإمام البخاري عن سيدنا أبي بكرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم وأبشارَكم عليكم حرامٌ كحرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا]، ومعنى أبشارَكم: أي: أنفسكم.
ويتبين لنا من الحديث أن الظلم لا يخرج من صورتين، الأولى ظلم بالقول: كالشتم والغيبة والنميمة والقذف وشهادة الزور، والثانية ظلم بالفعل: كالقتل والسرقة وخيانة الأمانة، وأكل الربا والزنا والتجسس، وأكل مال الناس بالباطل.
وأشد عقوبة الظلم نوعان: الأول الشرك بالله، لقول الله تعالى: «إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك»، [النساء:48].
والثاني: قتل النفس، لقول الله تعالى: «ومَنْ يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذاباً عظيماً»، [ النساء: 93].
وعلى هذا.. ربما يظن بعض المسلمين أنَّ أموال غير المسلمين ودماءهم وأعراضهم مستباحة للمسلمين، فهذا من الجهل في فهم الإسلام وأحكامه، ومن الخطأ البيِّن، ولا شك أنَّه من الظلم الظاهر في كل ما تعنيه الكلمة، ولذلك حذّر وتوعّد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يظلم غير المسلمين، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اتقوا دعوة المظلوم وإنْ كان كافراً، فإنَّه ليس دونها حجاب]، ودليل آخر ما رواه الإمامان أبو داود والبيهقي عن بعض السادة من الصحابة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ألا مَنْ ظلم معاهداً أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة].
وعلى ما تقدم: يجب على الناس جميعاً سواء كانوا من المسلمين أم غير المسلمين، ألا يظلموا بعضهم بعضا وأن يمتثلوا لقول الله تعالى: «وتعاونوا على البِّر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إنَّ الله شديد العقاب»، [المائدة:2]. وأن يحذروا من دعوة المظلوم للحديث الذي رواه الإمام البخاري عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [اتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب].

* أستاذ المعاملات المالية في جامعة طيبة - المدينة المنورة