** يوسف أبولوز

أوّل باب رأيته في حياتي كان باب المغارة، التي نشأتُ وترّبيت في عمقها الرطب المُعتم، وكانت تقع في أحد الأودية الوعرة غربيّ مدينة مادبا الأردنية، بالقرب من جبل نيبو وعيون موسى، وهي عيون مائية عذبة كانت تسقي بساتين الرمّان والعنب والتين في ذلك الوعر الجبلي الحجري المُطرّز بالخضرة والضباب.
كان لباب المغارة مفتاح حديدي أسود ضخم، ما أن نغلق به الباب حتى يتبدّد تماماً ذلك الخوف من الليل في الخارج؛ حيث الضباع والذئاب وحيوان «النيصّ» ذو الأرياش الطويلة الحادّة، أما عتمة المغارة بما فيها من أشباح وخيالات، كانت ترتسم على جدرانها؛ بفعل ظلال ألسنة النّار، فهي الأخرى-هذه العتمة- كانت باعثاً آخر على الخوف، ولكن، ولمرة ثانية، ما أن كان جدّي يشعل النار، ويغلق باب المغارة حتى تشعر العائلة «الكهفية» تلك، بالطمأنينة، وبالتالي، النوم بسلام؛ بل، النوم العميق بسلام ما دام الباب مغلقاً بإحكام، وقد شدّ، أيضاً بجانب المفتاح، برتاج خشبي أذكر صليل صوته حتى الآن.
كان ذلك المفتاح الأوليّ. الحديدي الأسود يُعَلّق في مكان ما بالقرب من الباب، وسيكون هذا المفتاح إحدى علامات المكان، كما هي الحال عند سكّان تلك المغارات أو الكهوف.. جيراننا البسطاء الفقراء مثلنا.. الذين كانوا يتركون مفاتيحهم أحياناً في كُوى حجرية أو تحت حجر أو تحت شجرة، والمهم أن المفتاح في ذلك الفضاء الجبلي الوعر كان علامة أرضية، وكان متاحاً لرجل أن يفتح مغارة رجل آخر، ولكن ذلك، لم يحدث أبداً، كما لو أن المفتاح،- فطرياً-، يرمز إلى الخصوصية والاستقلالية والملكية.
يرمز المفتاح إلى الحرية، الإفراج، إطلاق السراح، العودة إلى البيت، الأمان، وغير ذلك من ترميزات وإشارات، فيما يرمز القفل إلى الحجز، الاعتقال، مغادرة البيت...
من جانب آخر، يحمل الإنسان بيته معه أينما حلّ وأينما رحل، ويتمثل هذا الحمل بالمفتاح.. المفتاح الحرّ، الطليق، المحمول في علّاقة ذهبية أو فضية، والمفتاح أيضاً قد يصنع من الذهب في إشارة إلى مكانة اجتماعية رفيعة، فيما القفل ليس حرّاً بالمرة.. إنه الرتاج الملتصق بالباب إلى الأبد، أو أن القفل هو عبد للباب، تابع له، معلّق فيه.
القفل جزء من الباب، ولا شخصية للقفل من دون باب، القفل لا شيء إذا لم يكن تابعاً لباب. إنه نكرة مرمية في مكان ما، والأقفال المعلّقة في دكاكين القفّالين تنتظر دائماً تلك الأبواب التي يأتي أصحابها لتحرير هذه الأقفال من عبودية الجدران المعلّقة عليها، فالأقفال مكانها الأبواب.. كل أنواع الأبواب: أبواب البيوت، أبواب السجون، أبواع القلاع، أبواب خزائن النقد والجواهر والأوراق الرسمية المهمّة.. الوثائق والمخطوطات مثلاً.. الصكوك والمعاهدات المُغلق عليها بإحكام كي لا تتسرّب معلومات خطرة خارج هذه الخزائن المغلقة.

السرّي الغامض

إذاً.. يُحيل المفتاح والقفل إلى ما هو سري أيضاً إلى ما هو غامض، إن هذا السر يمنع الاطلاع عليه؛ لأنه سر مصون ومكنون بالمفتاح والقفل اللذين بهما فقط، ومن خلالهما يمكن أن يشاع هذا السر، وينكشف أمره، فلا يعود السرّ باعثاً على الغموض.. هذا الغموض اللذيذ يبعث هو الآخر على الفضول أو الفضولي الذي «يستخدم» المفتاح؛ لإشباع تساؤلاته وهواجسه.
المفتاح شقيق أبدي للقفل، ولولا المفتاح لما كانت هذه الشخصية «الكاريزمية» الملفقة للقفل، وإلى جانب هذه الكينونة المفتاحية، فالمفتاح هو أشبه بالبصمة، أو، هو بصمة، فلا يفتح المفتاح كل الأقفال، كل قفل وله مفتاحه، إن المفتاح هو كلمة سرّ القفل، إنه المفتتح أو المطلع: إنه ذلك الدوران السحري الصغير الذي يفتح أكبر وأثقل الأبواب، إنه، أي المفتاح مسنّن، ومشرشر، أحياناً مسطح، وأحياناً مزخرف. المفتاح مادّة جمالية تشكيلية، فيما يفقد القفل هذه الميزة الجمالية التشكيلية تماماً. القفل مضمر ولاصق بالباب. القفل كينونة مشتركة بين الباب والمفتاح، وفيما كل من الباب والمفتاح، مستقلّان، علنيان، وغير مضمرين بالمرّة يُنظر إلى القفل الذي يرمز إلى الحجز والمنع على أنه مُسْتلب، ومكمّل لشيء آخر هو الباب.

مفاتيح غرناطة

تسليم مفاتيح مدينة ما في حالة حرب أو نتيجة لتفاوض أو اتفاق أو عهود أو وعود هو فعل سياسي في عنوانه الأخير، وسآخذ نموذجاً واحداً هو مفاتيح غرناطة التي تقول الكثير من الروايات، إن الملك «أبا عبدالله الصغير» سلّمها إلى الملكين الكاثوليكيين فرديناند وأزابيلا؛ لينطبع في الذاكرة العربية، وإلى اليوم، ذلك الفقدان الكبير.. الذي يتحوّل إلى اسم موجوع أبدي هو «الفردوس المفقود»، وما أن يستبد الحنين بالغرناطي الأول ثم بسلالته الحية حتى اليوم حتى يتذكر المفاتيح، غير أن الشاعر «لويس أراغون» يذكر أن «أبا عبدالله الصغير» لم يسلّم المفاتيح بيده إلى الملكين الكاثوليكيين، يقول أراغون في عمله الشعري الفذّ «مجنون إلسا»: «في يوم الخميس الرابع من كانون الثاني أي الثالث من ربيع قدّم المونسينيور «دوكارين» مفاتيح القلاع، والأبراج والقصور، وأبواب المدينة إلى المونسينيور ايفيروس دومندوسا سيّد البيت الملكي، ويُرى من هذا أن أبا عبدالله ليس هو الذي حملها «أي حمل المفاتيح» إلى الملكين الكاثوليكيين.. كانت غرناطة منذ زمن بلا أمير، فقد اتخذ، وأهله، وحاشيته، وما ملكوا، طريق الجبل..».. وأياً كان من سلّم واستلم المفاتيح، فإن الأقفال موصدة تماماً على ذلك الفردوس.
تسليم واستلام مفاتيح المدن كما هي الحال في غرناطة استسلام، وإذعان، وهزيمة، وإن كان «بروتوكول» الاستلام والتسليم قد جرى في مشهدية سلمية مدنية.. محفوفة، بالطبع بالدموع.. دموع أبي عبدالله الصغير.
ولكن، مقابل ذلك يعد إهداء مفاتيح مدينة ما إلى شخصية اعتبارية ثقافية أو فنية أو أدبية نوعاً من التكريم لهذه الشخصية، مثلما أُهدي مفتاح القدس للمغنية العظيمة السيدة فيروز؛ عندما زارت المدينة، وغنّت فيها في العام 1964، وكان ذلك المفتاح المقدسي مصنوعاً من خشب الزيتون.

مرض

يمرض باب البيت؛ بل، يتشقق، ويشحب، ويعلوه ما يشبه الرمل والغبار عندما يموت صاحب البيت، و«البيوتُ تموتُ إذا غادرها ساكنوها»، وقد عاينت ذلك بأمّ عيني مثلما يقولون عندما زرت بيت أحد أقاربي بعد رحيله، وكانت تتوسط حوش البيت شجرة وارفة بدت هي الأخرى شاحبة مريضة، وإذا تركت باباً مغلقاً لفترة طويلة يصدأ القفل أولاً.
يتكوّن الصدأ بفعل الماء والهواء والرطوبة وحرارة أو برودة الطقس وضوء الشمس، هذا من الزاوية العلمية، ولكن من زاوية شعرية يصدأ القفل؛ بفعل الغياب والفقد والمغادرة. إن الباب بمكوّنيه الماديين: المفتاح والقفل يشعر، إن لم يكن يتذكر ويحتفظ بلمس اليد ورائحة الجسد، وبخاصة الأبواب المصنوعة من الخشب؛ بل، يحدودب الباب أحياناً بفعل الزمن، أو بفعل الحزن، أو بفعل الغياب، وفي كل هذه الحالات تدمع عين الباب.. تلك العين التي «يكحّلها» المفتاح أو يملؤها المفتاح. وإن عين الباب لا يملؤها إلاّ المفتاح، وليس أي مفتاح؛ بل مفتاحها هي. مفتاح القفل الملتصق إلى الأبد بالباب.
إن صدأ القفل إشارة إلى تقدّمه في العمر، أو تقدّمه في الغياب، وإن كان من مقاربة شعرية كهذه، وإن صحّت، فإن مبرر صحّتها هو «أنسنة» الأشياء: أنسنة الباب، أنسنة المفتاح، أنسنة البيت، أنسنة القفل، أنسنة الخزائن، أنسنة الغرفة، الشرفة، النافذة، وكل ما يحيط بالبيت، والأنسنة في مثل هذه التداعيات تذهب بنا إلى التصوّف، ومن رموزه القفل والمفتاح.
في الفتوحات المكية يقول ابن عربي: «.. الجَرَسُ كلام مجملٌ، والحرسُ بابٌ مقفلٌ، فمن فَصَّلَ مجمله، وفتّح مقفله اطلع على الأمر العجاب، والتحق بذوي الألباب..».
يأخذنا ابن عربي إلى أربع خزائن فيها من الأسرار والعلوم والسحر ما لا يُعرف إلا بمعرفة حركات مفاتيح وأقفال تلك الخزائن:
يقول عن الخزانة الأولى:
«رأيت علوماً مهلكة ما اشتغل بها أحد إلاّ هلك».
ويقول «ثم إني انتقلت إلى الخزانة الثانية فرأيت على قفلين منها مفاتيح والقفل الثالث لا مفتاح عليه فرأيت على القفل الأول ثلاثة مفاتيح تحتوي على عشر حركات ففتحته ثم جئت القفل الثاني فوجدت عليه مفتاحاً واحداً يحوي أربع حركات فأخذته وفتحت به القفل ثم جئت إلى القفل الثالث فلم أر عليه مفتاحاً فحرت ولم أدر كيف أصنع فقيل لي اقرأ على كل قفل لا مفتاح له إن ربك هو الفتاح العليم ثم قيل لي هذا لقفل مفتاحه من مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو فقلت ذلك فانفتح القفل وانفتحت الخزانة؛ فرأيت صور العلوم على عدد حركات المفاتيح، ورأيت صورة علم زائد على ما رأيت من الصور التي ظهرت على عدد حركات المفاتيح.

إشارات وألغاز

يبني الكاتب المغربي عبدالإله بن عرفة روايته «طواسين الغزالي» على إشارات وفكر وصوفية أبي حامد الغزالي، في باب «طاسين البستان» بشكل خاص الذي يقوم على الفكر الصوفي في إشارات محددة: الخزانة، الصندوق، الخاتم، المثلثات، وضرب الأعداد؛ إذ يمضي الغزالي ثلاثة أيام في غرفة «ليظفر بالجائزة الكبرى إذا استطاع فتح صندوق وحلّ ألغاز كتاب يعود إلى حدّ حواء التي طلبت منه ذلك، وسينجح الغزالي في فتح الصندوق والخروج من الخزانة، أما «الجائزة الكبرى» فهي زواجه من حوّاء.. لكنه قبل ذلك عرف تجربة صوفية عميقة داخل الخزانة «لمست المثلثين في أسفل الصندوق فوجدت أن الصغير منهما متحرك، أخرجته من تجويفه وصرت أقلبه ثم بدأ لي أن أضعه في وسط المثلث الثاني، جهدت في ذلك محاولاً وضع رأسه إلى أعلى في اتجاه أخيه الأكبر نفسه، فلم ينضبط، ثم بدا لي أن أقلب رأسه إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى، فانزوى بسهولة ويسر في موضعه وانبعث من انزوائه صوت من أحكم رتاجه، وفجأة انفتح باب الخزانة، وفهمت السر، فقد ركبت من جديد هذه التركيبة بالمثلثين داخل الصندوق بالاسم المفقود.. الجامع لآدم وحوّاء.

غريزة الغزو

يحيل المفتاح إلى الغلق، أو الإغلاق كما يحيل إلى الفتح «الدخول».. الدخول إلى فضاء البيت، وهو الفضاء الداخلي المكثّف والمحدود والصغير، كأنه اختصار للفضاء الخارجي الكبير.. أي العالم، والعالم مؤلف من بلدان وجغرافيات وخرائط وحدود.. كلّها يمكن فتحها أو احتلالها بالحروب إشباعاً لغريزة الإنسان الجائعة دائماً للغزو.