يذكر التاريخ لنا في فتح مكة نموذجاً فريداً من التسامح، تسامح المنتصر مع المغلوب، تسامح القوي مع الضعيف، ونحن في شهر كريم هو الشهر الذي حدث فيه الفتح بعد عدة غزوات وعدة سرايا ومحاولات عدة لقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتأليب العرب عليه من قريش، وتكذيب دعوته، وقتل أصحابه، مما سبب خروج المسلمين من مكة المكرمة حتى التحق صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة فوجد فيها من يحبهم ويحبونه.
رُوي أن فتح مكّة كان لعشر مضينَ من رمضان سنة ثمان للهجرة وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب وأقام بها خمس عشرة ليلة ثم خرج إلى هوازن وحين دخلها وقف على باب الكعبة ثم قال: «لا إلهَ إلا اللهَ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ صدقَ وعدَه ونصَرَ عبْدَه وهَزمَ الأحزَابَ وحده»، ثم قال: يا أهلَ مكَّةَ ما ترونَ أنِّي فاعلٌ بكمْ؟ قالوا: خيراً، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبُوا فأنْتُم الطُلَقَاءُ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح وقلبه مفعم بشكر الله على نصره وإنجازه وعده له، ممتطياً ناقته القصواء فسار بها حتى بلغ الكعبة فطاف بالبيت سبعاً ثم صلى خلف المقام وجلس في المسجد والناس من حوله والعيون شاخصة إليه ينتظرون ما هو فاعل بأهل مكة الذين آذوه وقاتلوه وأخرجوه من بلده الذي هو أحب أرض الله إلى الله، وفي تلك اللحظات الحرجة تطلّع القوم واشرأبُوا إلى معرفة صنيعه بأعدائه وقد تكاثر الناس حوله في المسجد فخطبهم وتلا عليهم قول الله عز وجلّ: «يَا أَيُهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» [الحجرات: 13] ثمّ سألهم: «يا معشر قريش ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ قالوا: خيراً.. أخٌ كريم وابن أخٍ كريم»، فما كان من الحبيب المصطفى إلا أن أعتقهم وخلّى عنهم ليجسد لنا صلوات الله وسلامه عليه أرقى صور التسامح والعفو عند المقدرة، فاسترد أهل مكة أنفاسهم وبدأت البيوت تُفتح على مصاريعها لتبايع رسول الله، وكانت نتيجة ذلك العفو أن دخل الناس في دين الله أفواجاً، فصدقَ الله العظيم القائل: «إذَا جَاءَ نَصْر اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا» [النصر: 1-3].