لم يعد التفوق الصيني ينحصر في مجال أو صناعة معينة، فعلى الرغم من التهديد الذي تشكله للولايات المتحدة والغرب في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، فإنها تسعى جاهدة للهيمنة على صناعة لا تقل أهميتها عن سابقاتها، ألا وهي «تكنولوجيا خلايا وقود الهيدروجين»، هذه التكنولوجيا الجديدة التي من شأنها أن تغير الكثير وتدر المزيد من الأرباح سواء للشركات أو الحكومات على حد سواء.
فقد رأت مدينة يونفو الجبلية الواقعة في مقاطعة قوانجدونج جنوبي الصين، منذ عام 2009، أن الوقت قد حان لإجراء تغيير، خاصة بعد التأثيرات السلبية التي سببتها الأزمة المالية في مختلف القطاعات.
تنتج خلايا وقود الهيدروجين الكهرباء بتفاعل كهربائي كيميائي باستخدام الهيدروجين والأوكسجين. فكرتها هي عكس فكرة تحليل الماء بالكهرباء حيث ينفصل الهيدروجين عن الأكسجين بواسطة قطبي الكهرباء، وأما خلية الوقود فهي تجعل الهيدروجين يتفاعل مع الأكسجين فينتج التيار الكهربائي.
هذه الخلية الكهروكيميائية تستخدم لإنتاج الطاقة الكهربائية بتزويد الخلية بالأكسجين والهيدروحين على نحو مستمر؛ أو تخزن الهيدروجين تحت ضغط في أنابيب وتستمد الأكسجين من الهواء. عند المصعد يتأكسد الهيدروجين إلى بروتونات وإلكترونات حيث يلتقي الجميع مع الأكسجين الذي يختزل لتكوين الماء.
وهناك أنواع متعددة من الخلايا الوقودية التي يمكن تصنيفها حسب نوع الكهارل الذي يحدد استخدامها النهائي. وتعد الخلايا الوقودية من أكثر وسائل توليد الطاقة حفاظًا على البيئة، ولهذا تحظى باهتمام كبير نحو تطويرها وتسخيرها مستقبلاً في تسيير السيارات وإمداد المنازل بالتيار الكهربائي. وهذه الأخيرة قد يصل وزنها إلى عدة أطنان.
ويمكن لصناعة خلايا الوقود أن تمنح الصين مجموعة كبيرة من المنافع، حيث يمكنها المساعدة في الحد من اعتماد البلد على الطاقة المستوردة، وكذلك المواد الخام. فعلى سبيل المثال تتطلب بطاريات «الليثيوم أيون» مجموعة من المعادن مثل الكوبالت والليثيوم والنيكل، في مقابل معظم خلايا الوقود التي لا تتطلب سوى البلاتين، إضافة إلى أن صناعة خلايا الوقود قد تشكل حلاً للاكتفاء الذاتي في الهيدروجين في الصين.
الأحجار الكريمة
وبالعودة إلى يونفو، المدينة المعروفة بأنها منبع الحرف اليدوية والمشهورة بإنتاج الأحجار الكريمة، فقد كانت تعاني شحاً في الصناعات الحديثة، إلا أنها الآن باتت تحوي عدداً من المصانع المهمة، بعد أن بدأ المسؤولون العمل لبناء مجمع صناعي مساحته 13.4 كيلومتر مربع للتركيز على إنتاج خلايا وقود الهيدروجين، وهي تكنولوجيا منافسة لمحركات الاحتراق الداخلي والبطاريات الكهربائية.
وتجدر الإشارة إلى أن مجموعة كبيرة من الشركات تغطي سلسلة الإمداد التي اجتذبتها الإعانات المالية الحكومية السخية، قد بدأت العمل في المجمع الذي ينتج مئات الحافلات والشاحنات الصغيرة التي تعمل على تكنولوجيا خلايا الوقود، باستخدام غاز الهيدروجين.
وقد نجح المسؤولون المحليون في الاستفادة من التلال القاحلة، من خلال إنشاء معمل لتصنيع السيارات ومرافق للمواد الكيميائية.
وتعد حديقة يونفو نموذجاً للسياسة الصينية القوية في مجال الصناعة الهادفة إلى استخدام الإعانات المالية الضخمة المقدمة من الحكومات، لتنمية وتطوير الصناعات الناشئة في الدولة.
إعانات حكومية
فقد أنفقت بكين ما يقدر بنحو 58.8 مليار دولار لدعم صناعة السيارات الكهربائية على مدار العقد الماضي، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له.
وأنشئت الصين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، إضافة إلى مصنع كبير هيمن على صناعة البطاريات، وتخطت بذلك اليابان وكوريا الجنوبية.
كما ساعدت الإعانات المالية الحكومية، الشركات العاملة في مجال الطاقة الشمسية على أن تكون ضمن صفوف الكبار في العالم، متجاوزة بذلك منافسيها في الولايات المتحدة وأوروبا.
وتأمل بكين الآن، تكرار هذا النجاح ضمن مجال صناعة خلايا الوقود التي من شأنها مساعدة السيارات الكهربائية في أن تحل محل السيارات التقليدية، وتقلل اعتماد الصين على النفط المستورد.
وفي حين أنه من غير المحتمل أن تتنافس تكنولوجيا خلايا الوقود مع بطاريات سيارات الركوب الصغيرة، بسبب استمرار انخفاض التكاليف، إلا أنها يمكن أن تلعب دوراً في المركبات الكبيرة مثل الشاحنات والحافلات، إضافة إلى السفن والقطارات. وحققت الصين نجاحاً باهراً في مجالات الطاقة الشمسية والرياح والسيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات، وجلبت الكثير من رؤوس الأموال والشركات إلى هذه الأسواق الجديدة، مما أسهم في جعل الصين رائدة في جميع هذه القطاعات الثلاثة، مع توقعات بتحقيق المزيد من النجاحات المشابهة في ما يخص صناعة خلايا الوقود.
ومع ذلك، يصف البعض اندفاع الصين إلى هذه التكنولوجيا الجديدة، بمغامرة باهظة الثمن، حيث ينبغي للمركبات أن تكون قادرة على التنافس بدون دعم، فضلاً عن أن البطاريات أصبحت أرخص من أي وقت مضى وأسرع في شحنها.
ويمكن للجميع رؤية القوة التي تتمتع بها آلية الدعم الصينية من خلال مدينة شنتشن جنوبي البلاد، والتي شهدت نمواً وتطوراً كبيراً وتحولت من قرية صيد إلى واحدة من أكثر المدن حيوية، وموطن لأكبر شركات التكنولوجيا فيها، حيث تتضمن سيارات الأجرة المستخدمة في هذه المدينة، عدداً كبيراً من السيارات الكهربائية التي تنتجها شركة «بي واي دي»، وهي أكبر شركة لتصنيع السيارات الكهربائية في العالم.
وتشير التوقعات إلى أنه سيتم بيع حوالي نصف السيارات التي تعمل بالبطاريات والمركبات الهجينة هذا العام في الصين.
وبفضل القوانين الحكومية التي ألزمت شركات السيارات المحلية بعدم شراء البطاريات من المنتجين الأجانب، فقد أصبحت شركة تصنيع البطاريات الصينية «سي إيه تي إل»، أكبر منتج في العالم، متجاوزة بذلك منافسيها «إل جي جيم» و«بانسونيك».
ويقع مقر الشركة في نينجده، في مقاطعة فوجيان جنوب شرقي البلاد، ووقعت مؤخراً صفقات لبيع البطاريات ل«بي إم دبليو» و«ديملر»، كما أنها أعلنت عن خطط لبناء مصنع في ألمانيا.
ومثلما كان حال الصين في مجال صناعة البطاريات قبل خمس سنوات، شهدت الصين تراجعاً أيضاً في مجال تكنولوجيا خلايا الوقود، خلف اليابان وكوريا الجنوبية، وكذلك الولايات المتحدة وأوروبا، حيث تواصل شركة «تويوتا» اليابانية، رهانها على التكنولوجيا وأطلقت أول سيارة تعمل بخلايا الوقود، من نوع ميراي في أواخر عام 2014، وتم بيعها بسعر 65000 ألف جنيه إسترليني. وطرحت الشركة طرازاً جديداً (نيكسو) يعمل بتكنولوجيا خلايا الوقود، للبيع عام 2018.
جهود جبارة
ومن أجل التغلب على هذا الوضع المتباطئ، بذلت الشركات الصينية العام الماضي جهوداً كبيرة للظفر بالتكنولوجيا الأجنبية ودمجها مع الشركات المحلية. وقد أعلنت شركة «بي واي دي»، أنها تعمل مع شركة «هايبرد كوربوريشن» الأمريكية، لتصميم حافلة تعمل بخلايا الوقود باستخدام الهيدروجين لبدء تشغيلها في مطار هونولولو.
كما أنفقت شركة فايشاي باور، أكبر شركة صينية لتصنيع محركات الديزل المملوكة للدولة، حوالي 184 مليون دولار على حصة 20% في بالارد.
من جهتها دفعت شركة ويشاي مبلغ 48 مليون جنيه استرليني لشراء حصة 20% في شركة سيريز باو، المصنعة لخلايا الوقود والتي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها.
وترى شركة سيريز أن حجم السوق الصينية كبير للغاية، بحيث لا يمكن للشركة تجاهله. وتخطط الشركة لنقل التكنولوجيا إلى «ويشاي» الصينية، والاستثمار المشترك في منشأة صناعية في مقاطعة شاندونج شرقي البلاد.
ومن المقرر أن يتم إنتاج خلايا الوقود لتعمل في البداية من خلال حافلات تستخدم الغاز الطبيعي المضغوط، قبل بناء البنية التحتية للهيدروجين.
وأوضحت شركة بالارد، أن مشروعها المشترك مع شركة «ويشاي»، يهدف إلى إنتاج 2000 خلية طاقة على الأقل سنوياً للمركبات التجارية بحلول عام 2021، ويشكل هذا الرقم أكبر عملية نشر لخلايا الوقود، مخطط لها حتى الآن.
وتقول الشركة إن التكلفة الإجمالية للعملاء لشراء وتشغيل خلية طاقة، ستكون هي نفسها بالنسبة للسيارات العاملة بالبطارية بحلول عام 2020.
ومن المتوقع أن يتم التخلص التدريجي من الإعانات الصينية للسيارات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات بحلول عام 2020، إلا أن الأمر مختلف في مجال خلايا الوقود، حيث من المقرر مواصلة الدعم لغاية عام 2025.
الهدف المنشود
وكل هذه الأموال ساعدت الصين في الوصول إلى هدفها السنوي المتمثل في الحصول على 5000 خلية طاقة قبل عامين. ويقول المشاركون في الصناعة، إنه في عام 2030 يمكن للصين أن تحقق هدفها بالوصول إلى مليوني سيارة تعمل بخلايا الوقود.
وفي ظل هذه الخطط الحكومية، يمكن لمصنعي سيارات خلايا الوقود ضمان تحقيق الأرباح. ومن المتوقع أن يجنوا ما يصل إلى 30,000 دولار من الحكومة المركزية لكل مركبة، بشرط أن تفي بحد أدنى من متطلبات الطاقة. كما يمكنهم الحصول على دعم حكومي محلي يختلف حسب المنطقة.
ويقول مارك صن، مدير التسويق في آسيا لشركة أنجلو أمريكان بلاتينيوم، التي تتطلع إلى زيادة الطلب على البلاتينيوم، من خلال استخدامها في خلايا الوقود: «بفضل الإعانات الحالية، سيجني منتجو خلايا الوقود، الأموال من اليوم الأول».
وقد دفعت هذه الإعانات مجموعة من الشركات الصينية إلى البدء في إنتاج مركبات خلايا الوقود، بما في ذلك أكبر مصنع للسيارات في البلاد «إس إيه آي سي موتور»، وأكبر صانع للحافلات الكهربائية «يوتونج باص».
وتتوقع شركة «إس إيه آي سي موتور»، تخفيض التكاليف بشكل كبير وملحوظ، عندما يبلغ إنتاج الشركة 10 آلاف سيارة تعمل بخلايا الوقود.
كما بدأت الشركات الصينية المملوكة للدولة في بناء محطات تزويد الوقود الهيدروجيني، بالتعاون مع شركة تشاينا إنرجي؛ أكبر شركة للطاقة في البلاد، حيث يتم تشييد واحدة من أكبر الشركات في البلاد في مدينة روجاو في مقاطعة جيانجسو شرقي الصين، إضافة إلى أن سعر الهيدروجين مدعوم بشدة، مما يجعله أرخص في الغالب من الديزل.
غزو الفضاء يحيي ابتكاراً بقي 130 عاماً حبيس الأدراج
يعود تاريخ ابتكار خلايا الوقود إلى منتصف القرن التاسع عشر حيث اخترع الإنجليزي وليام روبرت جروف أول تقنيات خلايا الوقود الهيدروجينية في إنجلترا. نظرًا لعدم جدوى استخدامه في تلك الفترة، ظل الاختراع حبيس الأدراج لأكثر من 130 سنة تقريباً.
عادت خلايا الوقود مرة أخرى للحياة في ستينيات القرن الماضي، عندما طورت «جنرال إليكتريك» خلايا تعمل على توليد الطاقة الكهربائية اللازمة للاستخدام في سفينتي الفضاء الشهيرتين «جيمني» و«أبولو»، بالإضافة إلى توفير مياه نقية صالحة للشرب لرواد الفضاء.
كانت الخلايا الأولى في المركبتين كبيرة الحجم وباهظة التكلفة، لكنها أدت مهامها دون وقوع أي أخطاء، واستطاعت توفير التيار الكهربائي وكذلك شكلت مصدراً للمياه الصالحة للشرب في مركبات الفضاء.