في إطار حرصه على تطوير أنشطته البحثية، أطلق صندوق النقد العربي سلسلة بحثية دورية جديدة بعنوان «موجز سياسات»، تستهدف دعم عملية صنع القرار في الدول العربية من خلال توفير إصدارات بحثية موجزة تتطرق لأبرز الأولويات والموضوعات ذات الاهتمام بالنسبة للدول العربية الأعضاء مصحوبةً بتوصيات لصناع السياسات.
تطرق العدد الثامن من هذه السلسلة إلى موضوع «الاستثمار المؤثر»، حيث أشار إلى تنامي الاهتمام بالاستثمار المؤثر في الآونة الأخيرة كآلية مهمة لتعبئة الموارد المالية وتوجيه الاستثمارات نحو المشروعات التي تستهدف تحقيق عائد اجتماعي وبيئي بالإضافة إلى العائد المالي. يعتبر الاستثمار المؤثر واحداً من بين ثلاثة أنواع يشتمل عليها الاستثمار المستدام الذي يُعرف أيضاً بالاستثمار المسؤول اجتماعياً، وفيه يدمج المستثمر العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة في قرارات الاستثمار. يستلزم الاستثمار المؤثر تحقق ثلاثة شروط أساسية تتمثل في:-
1- استهداف تحقيق الأثر
2- المساهمة في تحقيق الأثر
3- قياس الأثر.
ومن حيث المكاسب الاقتصادية والاجتماعية لهذا النوع من أنواع الاستثمار، أشار موجز السياسات إلى أن هذا النوع من الاستثمارات يُحقق مكاسب اقتصادية كبيرة للحكومات، أهمها تمكين البلدان النامية من تجاوز جانب من فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة. حيث تشير التقديرات الدولية إلى أن الدول النامية تواجه فجوة تمويلية تتراوح قيمتها ما بين 2.5 و3 تريليونات دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030. في الوقت الذي تشير فيه تقديرات البنك الدولي إلى أن الحكومات الوطنية سوف توفر فقط ما يتراوح بين 50 و80% من التمويل المطلوب لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. بالتالي فإن التحدي الأكبر الذي يواجه حكومات الدول النامية يتمثل في كيفية تحفيز آليات غير تقليدية ومبتكرة لتمويل التنمية المستدامة. من جانب آخر، تشير التقديرات الدولية إلى أن هناك فرصاً مربحة للقطاع الخاص لتمويل أهداف التنمية، حيث تشير تقديرات لجنة الأعمال والتنمية المستدامة إلى أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يُمكن أن يخلق فرصاً للقطاع الخاص بقيمة 12 تريليون دولار في مجالات الأغذية والزراعة والمدن والطاقة والصحة والرفاهية وحدها، ويخلق 380 مليون وظيفة بحلول عام 2030.
في هذا السياق، يؤكد مسح لمشروعات الاستثمار المؤثر أجرته الشبكة الدولية للاستثمار المؤثر، الارتباط الوثيق بين هذه المشروعات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، حيث أشار 62% من بين 266 مؤسسات استثمارية مشمولة في المسح، تبلغ إجمالي أصولها المُدارة نحو 502 مليار دولار، إلى أن مشروعات الاستثمار المؤثر التي تستثمر بها، تستهدف تحقيق أهداف التنمية المستدامة سواء حالياً أو في المستقبل.
كما أن هذا النوع من الاستثمار وعلى خلاف اعتقاد الكثيرين يحقق عائداً مربحاً للمستثمرين. فوفق عينة من مشروعات الاستثمار المؤثر تشمل 48 مشروعاً تم تنفيذها في الهند - التي تعتبر من أهم أسواق الاستثمار المؤثر - بقيمة 5.2 مليار دولار، حقق المستثمرون عند التخارج من هذه المشروعات متوسط عائد على الاستثمارات بلغ 10% في المتوسط خلال الفترة (2010-2015)، فيما حقق ثلث هذه المشروعات عائداً مالياً بلغ 34%.
وتقدر مؤسسة التمويل الدولية حجم الأصول المالية العالمية التي تحتفظ بها المؤسسات والأسر في جميع أنحاء العالم بنحو 269 تريليون دولار. وفي حال ما إذا تمكن العالم من توجيه نحو 10% فقط من هذه الأصول نحو الاستثمار المؤثر الذي يركز على تحسين العوائد الاجتماعية والبيئية، فإن ذلك كفيل بتحقيق أهداف التنمية المستدامة بما في ذلك تسهيل التحول إلى مستقبل منخفض الكربون.
ووفق عينة من مشروعات الاستثمار المؤثر التي تنفذها 266 مؤسسة استثمارية دولياً، جاءت نتائج العائد المالي المُحقق في حدود المتوقع بالنسبة لنحو 82% من المشروعات، فيما فاقت العائد المالي المستهدف في 16% منها، وجاءت أقل من المتوقع في 2% فقط.
على مستوى الدول العربية، فرغم التطورات الإيجابية التي شهدها عدد من المؤشرات الاجتماعية في المنطقة العربية، إلا أن المنطقة لا تزال تواجه تحديات اجتماعية وتنموية لعل من أهمها خفض الفقر، والبطالة، وتمكين المرأة، وتحسين مستويات التعليم، والصحة. يتطلب تحقيق تحسن إيجابي في هذه المجالات توجيه المزيد من الاستثمارات إلى المشروعات ذات الأهداف الاجتماعية والتنموية. كذلك تحتاج المنطقة إلى استثمارات دافعة للتنويع الاقتصادي ولمكافحة التغير المناخي.
تشير التقديرات إلى أن المنطقة العربية تحتاج إلى توفير 230 مليار دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وهو مبلغ ضخم يتطلب حشد الطاقات التمويلية للقطاعين العام والخاص لتحقيق تقدم ملموس في هذا الإطار. في المقابل وكما تمت الإشارة، يتضح تواضع نصيب المنطقة العربية من الاستثمار المؤثر العالمي إلى ما لا يزيد على واحد في المئة. كما تتركز هذه الاستثمارات وبحسب المعلومات المتوافرة في عدد محدود من دول المنطقة.
وهناك فرصة كبيرة للاستفادة من الاستثمار المؤثر في تنفيذ العديد من المشروعات ذات العائد الاجتماعي المرتبطة بالأساس بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهو ما يتطلب العديد من التدخلات على صعيد السياسة العامة لتشجيع هذا النوع من الاستثمارات. بناءً عليه، يقدم الموجز مجموعة من التوصيات على صعيد صنع السياسات لحفز الاستثمار المؤثر في الدول العربية، ذلك على النحو التالي:
دعم الحكومات العربية للاستثمار المؤثر:
لتحفيز الاستثمار المؤثر، هناك العديد من الآليات المقترحة وفق أفضل الممارسات العالمية من بينها:
1- تأسيس صناديق استثمارية مملوكة للدولة متخصصة في مجال الاستثمار المؤثر.
2- الدخول في شراكات مع القطاع الخاص لتنفيذ هذا النوع من الاستثمارات من خلال الصناديق الاستثمارية المشتركة.
3- تشجيع المؤسسات الاستثمارية والتنموية العامة على التوجه إلى الاستثمار المؤثر، وبما يرتبط مع الأولويات التنموية المتبناة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ضمان بيئة وطنية مواتية
يتطلب تعزيز عمل الاستثمار المؤثر وجود رؤى وطنية للتنمية تحدد الأولويات الاجتماعية والتنموية وطرح للمشروعات ذات الأولوية التي يُمكن أن يُشارك بها القطاع الخاص، بما يتضمن كافة التفاصيل الخاصة بالمشروعات سواءً فيما يتعلق بالاستثمارات المطلوبة، والعائدات التنموية، والفئات المستهدفة، والمدى الزمني للمشروعات، والعائدات المالية المتوقعة وطرح ذلك على مجتمع الأعمال. كما يستلزم تشجيع الاستثمار المؤثر توفر بيئة أعمال مواتية وإطار متكامل لعمل هذه الاستثمارات بما يشمل بيئة قانونية مُحفزة، ومجموعة من الحوافز التي توفرها الدولة لهؤلاء المستثمرين سواءً تعلق الأمر بالحوافز الضريبية أو غيرها من الحوافز الأخرى الجاذبة للاستثمار بحسب مستويات انخراط الاستثمار المؤثر في المشروعات ذات الأولوية التي تحددها الدولة.
زيادة مستويات التوعية بدور الاستثمار المؤثر
لا تزال مستويات الوعي بأهمية الاستثمار المؤثر وآلياته غائبة بشكل كبير عن مجتمع الأعمال في الدول العربية وهو ما يستلزم من الجهات المعنية بالاستثمار والسلطات الإشرافية على القطاع المالي أن تعمل على زيادة مستويات الوعي بهذا النوع من أنواع الاستثمارات، وأن تشجع نشر أفضل الممارسات الوطنية والدولية في هذا الصدد بما يقدم نماذج متكاملة من هذه المشروعات وفهماً موحداً من مجتمع الأعمال بطبيعة هذه المشروعات وقدرتها الكبيرة على تمكين مجتمع الأعمال من الوفاء بالتزاماته في إطار المسؤولية الاجتماعية للشركات.
تشجيع إصدار سندات الأثر الاجتماعي
تُمثل سندات الأثر الاجتماعي نوعاً من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، تهدف إلى تقديم برامج اجتماعية للمجتمعات المحرومة. تعمل هذه العقود - التي تسمى أيضًا عقود الدفع مقابل النجاح - على الاستفادة من الاستثمارات الخاصة والخبرات من مقدمي الخدمات لتحسين النتائج الاجتماعية للخدمات الممولة من القطاع العام. من شأن اتجاه السلطات الرقابية للقطاع المالي إلى تحفيز المستثمرين على إصدار مثل هذه السندات، وربط ذلك بمجموعة متنوعة من الحوافز يحصل عليها القطاع الخاص الذي يقوم بالإصدار أو الاستثمار في هذا النوع من السندات أن يساهم في تشجيع إصدارات هذا النوع من السندات.
الاستفادة من الاستثمار المؤسسي طويل الأجل
تلعب صناديق التأمين والمعاشات والضمان الاجتماعي دوراً مهماً في الدول العربية نظراً لكون استثماراتها مؤسسية طويلة الأجل يمكن أن تساهم في دعم خطط الدولة نحو تحقيق الغايات التنموية المأمولة.
في هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن أصول صناديق التأمين والمعاشات توفر مصادر تمويل طويلة الأجل جيدة في العديد من البلدان العربية يمكن التعويل عليها لتمويل العديد من المشروعات التنموية. فعلى سبيل المثال تُقدر أصول المؤسسات المالية غير المصرفية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بنحو 573 مليار دولار. من شأن العمل على إيجاد الإطار الملائم لتوظيف هذه السيولة وتوجيهها بشكل سليم ومدروس لتمويل المشروعات ذات العائد الاقتصادي المُجدي أن يُمكن الدول العربية من تحقيق أهدافها وغاياتها الاقتصادية.
تفعيل دور الصناديق السيادية
تلعب الصناديق السيادية في الدول العربية دوراً مهماً على صعيد تعزيز الاستثمارات المحلية ودعم جهود التنويع الاقتصادي. كما تنامى مؤخراً دور عدد من هذه الصناديق في تمويل الخطط والرؤى الاستراتيجية للدول العربية التي يأتي تحقيق أهداف التنمية المستدامة على رأس أولوياتها. يُمكن لهذه الصناديق أن تمثل داعماً رئيسياً للاستثمار المؤثر في الدول التي توجد بها، لا سيما في ضوء توجه عدد منها لتخصيص نسبة من عائداتها السنوية إلى أوجه استثمارية محلية تستهدف زيادة فرص العمل، وتحسين مستويات التعليم والصحة، وتمكين المرأة، ودعم البيئات المحلية، ودعم مصادر الطاقة المتجددة.