بقلم: عبدالغفار حسين
التاريخ يعرف أفراداً تاريخيين يتحولون عند وفاتهم وفناء أجسامهم إلى مادة تُدرس.. ومنهم تريم
(أحمد الجمال)
كثيرون أولئك الذين يرحلون عن الدنيا بشكل متتابع روتيني يومي، ورحى المنية دائمة الدوران ماضية في الطحن والتحطيم.. وكما يقول الشاعر: الناس في غفلاتها.. ورَحى المنية تطحنُ.. وكثيرون أيضاً هم من ترحل معهم أسماؤهم، وتمحي الأيام ذكراهم، كأنهم لم يأتوا وما وجِدوا في الحياة.. كما يقول شوقي: كأَنهم من هَوانِ الخَطبِ ما وُجِدوا..
ولكن هُناك أناس ينطبعون في الذاكرة كبصمة وعلامة عصية على المحو مهما مرت من الأيام والشهور والسنين على رحيلهم وغيابهم، وتظل الذاكرة تضرب حولهم النطاق يُشاهَدون على الدوام لكل مُشاهد، كأنهم تماثيل مُشيدة في صخور صلبة فوق أعمدة قوية مرتفعة.
وأحد هؤلاء الأعلام الذين لا تشطبهم الذاكرة ويظلون على الدوام في البال، هو تريم عمران تريم، الشخصية المجتمعية الإماراتية التي تركت بصمات في الصحافة والإعلام والعمل السياسي والمجتمعي لا تمحوها الأيام ولا تزيلها؛ بل تتجدد كلما مَر زمن وجاء زمن.
ولأن هذا الرجل ترك في الذاكرة مآثر تجلب له الثناء كأنه موجود وباقٍ لم يرحل.. أو كما يقول، أبو الطيب:
كَفَلَ الثناء له برد حياتِهِ
لما انطوى فكأنه منشورُ.
ومما يجعل أبا نجلاء، تريم عمران، يظل راسخاً في ذاكرة من عرفوه وفي ذاكرة زملائه، أنه كان عصامي النشأة، في وقت لم يكن أمام المرء في هذه البلاد سلاح يخوض به غمار الحياة غير العصامية.. فالحياة في الإمارات كانت في الخمسينات من القرن المنصرم، حيث كانت أحوال الناس غير يانعة الثمار، والناس في مُعظم أحوالهم يجابهون ضنك العيش.. وجاءت بوادر التعليم النظامي عن طريق البعثات العربية لتُمهد السبيل شيئاً فشيئاً إلى تغيير النمطية المعيشية، ويصبح تريم عمران، وأترابه من الشباب من أوائل المبتعثين إلى الخارج لمواصلة التعليم العالي في الكويت وفي مصر، ويعود تريم ليكون أوَّل مؤسس في تاريخ الإمارات للإعلام الأهلي وصاحب أول دار للصحافة الأهلية بالاشتراك والمعاضدة مع شقيقه المرحوم عبدالله عمران، وعن طريق هذا المنشور الأهلي للصحافة الأهلية وقف تريم عمران منافحاً ومدافعاً عن القضايا المحلية والإقليمية والعربية، وعلى رأس هذه القضايا، قضية العرب الأولى فلسطين. وكان تريم يردد على الدوام بيت شعر لأحمد أمين المدني الشاعر الإماراتي الذي يقول من ضمن قصيدة له:
إذا ذكرتُ فلسطيناً نَكأتُ بها
جُرحاً على سائر الأيام أدمانا.
وكان تريم عمران في مواقفه الوطنية والقومية إنساني النزعة يقف مع الحق ضد الباطل ولا تأخذه النزعات الشوفينية كالكثير من الإعلاميين الذين كانوا خاضعين في تلك الأوقات للدوافع العاطفية في الاتجاه السياسي الأيديولوجي.
وفي مصر التي كان تريم يعشقها وقضى فيها سنوات دراسته الجامعية، تولى تريم عمران مهام أول سفير للدولة الجديدة، دولة الإمارات العربية المتحدة التي قامت عام 1971، إضافة إلى المندوب الدائم للدولة في الجامعة العربية التي برز فيها كعضو في هذه المؤسسة العتيدة، وكان لأدواره ومواقفه الإيجابية في القضايا المعروضة على اجتماعات الجامعة مَضْرِب المثل.
وعندما عاد تريم من مصر، كان المجلس الوطني الاتحادي قد أنهى دورته الأولى في عام 1976، وصَدر قرار بتكوين المجلس الجديد، فترشح له تريم عمران مندوباً عن إمارة الشارقة، وفي أولى جلساته عام 1977، اختير تريم عمران بالإجماع رئيساً للمجلس الوطني الاتحادي، كثاني رئيس لهذا المجلس في تاريخ الإمارات العربية المتحدة، وبرئاسة تريم دخل المجلس في عهد جديد، ثم تحول إلى برلمان بجهود تريم عمران، لا يقل في شكله ومضمونه عن أي برلمان أو مجلس في البلدان «الشرق أوسطية» المحيطة، ومن يراجع مضابط جلسات المجلس أثناء رئاسة تريم عمران يُدرك مصداق هذا القول.
ولعل خير دليل على ما أوردناه أعلاه، هي المذكرة التي رفعها المجلس الوطني والأعضاء في الحكومة آنذاك، إلى المجلس الأعلى للحكام واضعين أمام المجلس الأعلى «المنافستو»، وخارطة الطريق للنهج السليم المطلوب أن تمشي على منواله الدولة في اتجاهها إلى المستقبل.
وكان تريم عمران مُهندس ورسام هذه الخارطة، كما أثبتت الوقائع ذلك، وكان تريم في مثل هذه المواقف يلقى التأييد والدعم المعنويين من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أحب في تريم وطنيته واتزانه ووقاره وثقافته السياسية الواعية. (1)
[email protected]
(1) كتاب «تريم عمران.. لمحات من حياته» بقلم الكاتب، صدر عام 2003.