إعداد:جيهان شعيب
تمر الأيام، وتتعاقب السنوات، وتحل اليوم الذكرى ال18 لرحيل رجل القلم، والفكر والسياسة تريم عمران تريم إلى دار الحق في 16 مايو/أيار عام 2002، تاركاً سيرة ومسيرة لم تغب تفاصيلها عن الأذهان، ولم يخفت نورها في الأعين، ولم تنل سنوات غيابه من حضوره الراسخ، القائم أبداً في قلوب جميع من عايشوه، وعاصروه، وتعلموا منه، وتتلمذوا على يديه، ونهلوا الكثير من نضج وعيه، وسعة أفقه، ورصانة فكره، واستنارة رؤاه.
تريم عمران كيان لا يمكن أن يخبو مع السنوات اسمه الذي سكن قلوب الكثيرين؛ لدماثة خلقه، وطيب أصله، ورحمته بالجميع، ومراعاته ورعايته لمن لجأ إليه يوماً، ومن لم يلجأ، فيما وأيضاً كان قابلاً للاختلافات من دون أي خلاف، وكان من المتواضعين، سمته الإنسانية في معاملة الكل على قربهم منه وحتى بعدهم، وكذا جميع من تعرفوا إليه في حياته التي لم تكن سنواتها طويلة، وإن كانت مضامين مسيرته خلالها شديدة الثراء، والعمق، والزخم، والاحتشاد، بأفعال مؤثرة، وأعمال غاية في الأهمية، مما رسخها، وجعلها دوماً شاهدة على رجل كان صادقاً في القول، متوازناً بموضوعية، ومنطقياً دون مغالاة.
تريم عمران رجل انتصر على الخطوب التي واجهته، وتحدى صعاب الحياة، وقساوة الأيام، وثقل الظروف التي ألمت به مع شقيقه الراحل الكبير د. عبد الله عمران؛ اذ تحملا معاً كل ما مر بهما، وما واجههما، واعترض حلمهما، وهدفهما القومي العروبي، في ولادة منبر إعلامي ممتد؛ لكنهما انتصرا وخرجت «الخليج» كبيرة منذ لحظتها الأولى على أرض الواقع.
المولد والتوجه
وبالعودة للبداية نجد أن الراحل الكبير وُلد في إمارة الشارقة عام 1942، وقضى من العُمر 60 عاماً؛ حيث وافته المنية يوم الخميس الموافق 16 مايو/أيار عام 2002، وبدأ سنوات تعليمه الأولى في مدرسة القاسمية بمدينة الشارقة، ثم التحق بعد ذلك بمدرسة الشيخ شويخ بالكويت، وفي أوائل الستينات سافر إلى القاهرة؛ لاستكمال دراسته الجامعية، وهناك حصل على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة، وكانت كنيته «أبو نجلاء».
كان مُحباً للناصرية، ومن أشد مؤيدي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان يراه ناصراً للأمة العربية، وأنه لولاه لم تكن مكانة للوطن العربي؛ حيث انحاز خلال دراسته في قاهرة المعز للتيار القومي، الذي يرى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر صاحب مشروع وحدوي، تحرري، استقلالي، يصلح للوطن العربي ككل، وكان الطالب تريم حينذاك ناشطاً رئيسياً في تعريف المجتمع الطلابي المصري بمنطقة الخليج؛ حيث انخرط في النشاط الثقافي والاجتماعي في الجامعة.
وعلى مدار السنوات لم ينس تريم أهمية مدرسيه في مرحلة التكوين الأولى؛ حيث في خطاب ألقاه بمناسبة تكريم رواد التعليم، قال: كانت هناك قفزة في التعليم جاءت مع الصحوة القومية الكبرى على امتداد الوطن العربي كله في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، وكانت المدرسة شعلة من الحماسة لهذه الصحوة، وعندما فتحت المدارس، وجاء المدرسون بجهود أشقاء عرب، كانت هذه شهادة على تقصير المستعمر، وإمعانه في إهمال المنطقة، كما كانت شاهداً على الارتباط بين العلم والتحرر، وقد دفعت منطقتنا الثمن مضاعفاً، فلم يكتف البريطانيون بإرساء قاعدة «فرق تسد»، وفي وضع الألغام الحدودية الموقوتة في المنطقة فحسب، وإنما كان لهم في جنوب الخليج كله سياسة مضادة للتعليم والثقافة، منسجمة مع موقفهم في سد كافة سبل التطور التنموي، وكان المعتمد البريطاني هو المشرف على تنفيذ هذه السياسة.
محطات رئيسية
وبالمرور في نقاط على محطات أساسية في مسيرة الراحل كان له فيها دور مساهم وبارز، نجد ما قام به في مراحل تأسيس وتطور الدولة كافة؛ حيث كان أحد دعاة «الاتحاد التساعي» الذين طالبوا بتوحيد إمارات الخليج التسع، عقب خروج الاحتلال البريطاني في مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي، وفي مقدمة الذين نادوا لإقامة الاتحاد السباعي، وهي اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة؛ حيث كان عضواً مشاركاً في مفاوضات تشكيل اتحادها، وفي ذلك قوله: عندما شعرنا بأنه لن يتم الاتفاق على اتحاد تُساعي، طلبنا أن يضم الاتحاد الإمارات السبع، وقلنا فليكن سباعياً؛ لأن المنطق والواقع يشيران إلى أن إمارات المنطقة كلها عبارة عن بيوت متجاورة، سنحرث الأرض لنبدأ من تحت، من الجذور العميقة، نتحاور، نتجادل، نختلف، ولا مانع، ولكن لنسلم بأننا جميعاً كيان واحد، لابد له أن يكون، وأن وحدتنا، ولا شيء غير وحدتنا هي ضمان بقائنا وبقاء الأرض راسخة تحت أقدامنا وغير قابلة للانسحاب، وهي ليست وحدة غاية لذاتها؛ بل هي وحدة الجدار، حتى يتكامل البيت، الأمل، في وحدة أشمل.
وأيضاً كان الراحل سفيراً للإمارات في جمهورية مصر العربية، ورئيساً لوفد الإمارات في الجامعة العربية حتى عام 1976- 1977، فضلاً عن تأسيسه مع شقيقه د. عبد الله عمران دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر، وترؤسه مجلس إدارة الدار، ورئاسة تحرير مجلة الشروق، وجريدة الخليج، علاوة على مشاركة الراحل في عضوية لجان عدة؛ حيث كان عضواً مؤسساً في منتدى التنمية لدول مجلس التعاون الخليجي، ونائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، ورئيس لجنة الإمارات للتكافل العربي، وعضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية.
المذكرة المشتركة
وسجل الراحل تريم عمران حضوراً لافتاً، عندما انتخب رئيساً للمجلس الوطني الاتحادي لدورتين تشريعيتين متتاليتين؛ حيث ركز في التجربة البرلمانية الإماراتية في تلك الفترة على القضايا المتصلة بدعم الكيان الاتحادي الجديد، وتكريس وتعزيز مكانة الدولة الاتحادية، ووسع نطاق النقاشات، لتصب في الصالح العام، وأخرجها من النمطية، ومن أهم ما خطه في تلك الفترة، وضعه المذكرة المشتركة التي صاغ بنودها، وناقشها المجلس، وعقد لها مع مجلس الوزراء جلستين مشتركتين عام 1979.
وكان مطلب توطيد أركان الاتحاد على رأس توصيات المذكرة التي لخصت قضايا الوطن في تلك المرحلة، وتعزيز وحدة الإمارات، فضلاً عن مطالب أخرى تضمنتها منها: توسيع الصلاحيات الاتحادية، وتقليص السلطات المحلية، لتعمل مع الاتحادي على إرساء مصلحة الوطن والمواطن، مع مطالبة بأن تسري التشريعات الاتحادية، ومشروعات القوانين التي يجيزها المجلس، على كل أنحاء الدولة؛ إعمالاً لنصوص الدستور الذي أعطى الاتحاد حق التشريع، فضلاً عن عرضه قانون المصرف المركزي على المجلس، لتتم مناقشته، تنفيذاً للخطوات الدستورية المتعلقة بعرض مشروعات القوانين على المجلس؛ لمناقشتها قبيل إصدارها.
ولادة «الخليج»
وحين النظر في الحلم الأكبر للشقيقين تريم عمران وعبد الله عمران، رحمهما الله، بإصدار جريدة «الخليج» وكيف تولد في فكرهما، نجد أنه عقب عودتهما من القاهرة عام 1968؛ حيث كانا ضمن الوفد الرسمي لإمارة الشارقة في المفاوضات التي سبقت قيام الاتحاد، فكّر تريم في العمل الصحفي، وفي ذلك قوله رحمه الله: كان الوضع السياسي حينذاك مقلقاً جداً، وينذر بمخاطر جمة، وصعوبات ستواجهها الإمارات، إذا استمر وضعها السياسي المتصف بالتجزئة والتفتّت، فالإنجليز قرروا الانسحاب، والمنطقة مجزّأة، وليس هناك أي كيان سياسي واحد يستطيع التعامل مع احتمالات المستقبل، بينما شاه إيران لديه مطامع أعلن عنها، فكانت الدعوة إلى إقامة كيان قادر على مواجهة التحديات، والعمل على تحقيق وحدة المنطقة، كانت الأخطار كبيرة، والعمل المنظم شبه معدوم في منطقة تزداد أهميتها الاستراتيجية، بعد تدفق النفط في أراضيها.
ومن هنا ولأن حرية الصحافة كانت أحد ثوابت العمل المهني عند تريم عمران، تولد التفكير في إصدار أول جريدة سياسية؛ لكشف المشهد الذي كان وقتذاك غامضاً على مواطني المنطقة، الذين لم يكن يشملهم جميعاً التعليم؛ حيث كان يقول (حرية الصحافة ليست حقاً من حقوق الناشرين، وإنما هي حق من حقوق المجتمع، ولا يمكن لمجتمع أن يكون حراً، إذا لم تكن صحافته حرة)، وكانت البداية بإصدار مجلة سياسية شهرية هي الشروق، ومن ثم فكر تريم عمران، وشقيقه عبد الله عمران، في إصدار «الخليج» كأول جريدة سياسية، ولأن رواتبهم لم تتجاوز آنذاك 1500 درهم للواحد منهم، أضحى من الصعب عليهم تحمل أي خسائر مادية، بما في ذلك إصدار مطبوعة صحفية، علاوة على عدم وجود مطابع مؤهلة في الشارقة والإمارات المتصالحة؛ لذا توجه الثلاثة إلى الكويت، واختاروا الناشر الكويتي فجحان هلال المطيري الذي يماثلهم قومية الفكر العروبي، والذي كان يصدر مع زوجته غنيمة المرزوق مجلة أسرية باسم «أسرتي»، وكانا يمتلكان مطبعة حديثة، ووافق المطيري على طباعة مجلة الشروق، وجريدة «الخليج» لاحقاً، وتحت الحساب، إكراماً لأصحابها، كونهم من أصحاب المبادئ، والوعي، والفكر، وكانت المادة الصحفية التي تكتب في الشارقة، تحمل إلى الكويت وتعود مجلة مطبوعة.
خطاب قومي
ومع توالي صدور المجلة، جاء التفكير في «الخليج»، وبالفعل صدرت يوم التاسع عشر من شهر أكتوبر عام 1970 جريئة، قوية، حرة الرأي، ومرت بالمراحل مثلها كالشروق، من تجهيز المادة الصحفية في الشارقة، في ظروف بالغة الصعوبة، إلى طباعتها في الكويت، وحمل حديثها الأول إصراراً على عروبة الخليج، والجزر الإماراتية، من خلال عنوان رئيسي تكرر غير ذي مرة فيها، يحمل 4 لاءات (لا تفريط في الجزر، لا استثمار، لا مشاركة، لا تنازل)، وتسبب ذلك في إزعاج شاه إيران حينذاك بشكل كبير، فسعى إلى إغراء أصحاب الجريدة بالمال، لعلمه بما يواجهونه؛ بسبب الكلفة الكبيرة التي تقع عليهم؛ جرّاء إصدار الجريدة في الكويت، وشحنها بالطائرة يومياً إلى الشارقة؛ لكنهم رفضوا، وأصروا على استقلاليتها، متخطين بذلك الانزعاج الكبير الذي شعر به أيضاً المعتمد البريطاني في الإمارات المتصالحة آنذاك، إثر جرأة الخطاب القومي للجريدة، بما دفعه إلى المطالبة بإغلاقها، لإفسادها الجهود التي تبذلها بريطانيا في حل مشكلة الجزر، بعدما شعر كذلك بأنها صدرت من أجل الخليج الموحد، فكان رد أصحاب الجريدة بأن بريطانيا احتلت المنطقة نحو 150 عاماً، وجعلتها في طي النسيان، لا تعليم، ولا صحة، ولا أي خدمات، فقط مناطق متناثرة، يغمرها الفقر والتخلف، والآن عندما قررت بريطانيا الانسحاب، تطلب أيضاً من أهلها السكوت عن جريمة ترتكبها من خلال تسليم جزء من أراضيها إلى شاه إيران.
التوقف المؤقت
وتوالت الحروب المهنية والسياسية العديدة التي شهدتها «الخليج»، من بعض أصحاب الصحف في الكويت، فطالبوا الحكومة الكويتية بوقف إصدارها، واستمر الأمر هكذا، إلى أن توقفتا «الخليج»، و«الشروق» بالفعل بعد عام ونصف العام على صدورهما؛ بسبب الكُلفة المادية الكبيرة لإصدارهما من دولة الكويت، وبسبب إصرار تريم وشقيقه عبد الله عمران، على تجنب تمويلهما من جهات مشكوك فيها، تحيطها الشبهات، فيما جاء التوقف والدولة تشهد بداية الاتحاد، حينذاك اختار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، عبدالله عمران لتولي منصب وزير العدل في أول حكومة اتحادية إماراتية خلال الفترة ( 1971-1972)، ثم وزيراً للتربية والتعليم خلال عام 1972، ثم عاد وزيراً للعدل بين الأعوام (1990 - 1997)، في حين أصبح تريم عمران أول سفير للدولة في جمهورية مصر العربية، وأول مندوب لها في جامعة الدول العربية حتى عام 1976، كما تولى رئاسة المجلس الوطني الاتحادي وظلت سطوة العمل الصحفي تسيطر على عقل ووجدان تريم عمران، فكان أن عادت «الخليج» إلى الصدور في إبريل/ نيسان- عام 1980.
رسالة واضحة
وتمتعت «الخليج» برسالة وهدف واضحين، منذ بداية تفكير الشقيقين تريم وعبد الله عمران في إنشاء هذا المنبر الإعلامي؛ حيث من كلمات تريم عمران عند وضع اللبنة الأولى لرسالة الخليج: «الذين يتجاهلون الجغرافيا، ويتصورون الخليج كما تدل ظواهره مجموعات بشرية لا روابط بينه، مخطئون، ونظرة واحدة على هذا السطح المائي نرى أنه ربط بين كل المُطلين عليه بتاريخ مشترك، وعادات مشتركة، ومآسٍ مشتركة، وأفراح مشتركة، حتى الأمراض التي أورثتنا إياها أهوال الفاقة، نجدها متشابهة، وكل بشرة هنا دبغتها الأملاح، وكل القلوب عرفت لوعة الذاهبين بلا عودة، ولهذا كانت هذه التجربة، إنها حنين للعودة إلى المخاض المشترك، والميلاد المشترك، و «الخليج» جاءت ليقرأها عرب الخليج على الامتداد نفسه، في اللحظة نفسها، الفكرة صعبة جداً، ولكنها جديرة بالمشقة؛ لأنها حنين للارتباط القديم الجديد الأبدي.. إنها جريدة لخليج موحد، رغم الحدود والمسافات.. سنحرث الأرض لنبدأ من تحت، من الجذور العميقة، نتحاور، نتجادل، نختلف، ولا مانع، ولكن لنسلم بأننا جميعاً كيان واحد كان، ولابد له أن يكون، وأن وحدتنا، ولا شيء غير وحدتنا هي ضمان بقائنا، وبقاء الأرض راسخة تحت أقدامنا، وغير قابلة للانسحاب، وهي ليست وحدة غاية لذاتها؛ بل هي وحدة الجدار، حتى يتكامل البيت.. الأمل في وحدة أشمل».
وفي حوار صحفي عن فكرة ودوافع إصدار «الخليج» قال: كنا جميعاً نعيش نكسة عام 1967 ويعتمل في نفوسنا شعور عام، معادٍ للغرب الاستعماري وأمريكا التي وضح انحيازها التام ل«إسرائيل»، ورغم طوق العزلة الذي ضرب حول المنطقة، فإن الشعور بالانتماء القومي كان يقوى ويكبر، وآنذاك انحصر تفكيرنا في إيجاد منبر صحفي؛ ينهي الفراغ الإعلامي الرهيب الذي كنا نعيشه، ويضطلع بدور وطني في التعبير عن آراء الناس ومطالبهم، وقد استقر الرأي على إصدار «الخليج» اليومية، والشروق الأسبوعية، وكان همنا الرئيسي سياسياً، فهذه المنطقة يجب أن تستعيد حقائقها الوحدوية للدفاع عن أراضيها، واللقاء العضوي مع الشقيقات في الخليج العربي، كذلك كان من أهدافنا نشر الوعي الوطني، والقومي، والتوعية بدور المواطن في بناء بلده، والكشف عن واقع إيمان أبناء المنطقة بأنهم وأنها جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، والأمة العربية، وأن قدرتنا في التأثير في الأحداث، وفي تحقيق الاستقلال الناجز، رهن بلقائنا العضوي بوطننا العربي الكبير.
كلمات من القلب
في كلمات من القلب لا يمكن أن تطوى مع الأيام، قال الراحل د. عبد الله عمران في رحيل شقيقه تريم عمران: يرهقني الفراق وأئنّ من حمل المسؤولية الكبرى بعد رحيلك، وبعد أن فارقتني الوالدة، لتلحق بجزء مني، ولكن العزيمة تقوى حينما أعرف أن التراخي يقلقك، وأنك تعرف عظم المسؤولية التي حملتها وحدي من بعدك بعد أن قلت لي عشية فراقك «كان الله في عونك». أود أن أحدثك ابتداء عن آمال عراض عشناها معاً وعملنا على تحقيقها معاً، وقد أصبحت منجزات تتحدث عن نفسها في أرض الإمارات، فقد أوفى الأب الكبير زايد وأخوه راشد والآباء المؤسسون، رحم الله من انتقل إلى جواره، وأطال عمر من بقي منهم.
وبفضل قيادتنا التي استلمت الأمانة ازداد الاتحاد متانة، ومنعة وقوة، حتى ساد الأمن، وارتقينا بمكانتنا بين الأمم، وتحولت الأرض القفر إلى حدائق غناء في ربوعها، وأصبح لدينا جيل من أبناء وبنات الإمارات وقد تسلحوا بالعلم، وآمنوا بوطنهم، وقدراتهم على العطاء والتقدم، وتعددت في جوانبه الخدمات التعليمية، والثقافية، والمؤسسات البحثية، وأضحت المناطق التي كانت على قرب المسافات منها نائية لوعورة الوصول إليها، تفاخر في طرز بنائها وتعدد الخدمات فيها وامتداد الخضرة في أرجائها.
ويحزنني أن أتحدث إليك عن آمال أخرى لم تجد نصيبها من التحقيق، فهل أحدثك، عن أوطان الفرص الضائعة، والربيع الوعد الذي سرعان ما تساقطت أوراقه وطارت عصافيره، وسُرقت وعوده، وزادت الشقوق في أثوابنا العربية وحدودنا ونسيجنا الاجتماعي العربي، هل أحدثك عن خرائط جديدة، حذّرت منها في حياتك السياسية والصحفية، هل أسرّي عنك وأخبرك، بحال الخليج الجريدة وأخواتها التي وضعت الوطن في قلب أدائها لرسالتها، وحرصت على أن تلتزم بخطها العروبي الوطني والكلمة المسؤولة، وهل أحدثك عن وطنك العربي وما حل به، وأهل وادي النيل، والشام، وشمال إفريقيا، وحروب الطوائف، وحروب الوكلاء، وتدخلات الجيران، وفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان.


