يقع القلب في منطقة الصدر، في مستوى الفقرات الصدرية من الخامسة إلى الثامنة، ويحمي هذه المنطقة القفص الصدري، إضافة إلى أنه يحيط به كيس مزدوج الغشاء يدعى التامور، والقلب بحجم قبضة اليد تقريباً. وتعتبر أمراض القلب من أكثر أسباب الوفاة عالمياً، وتصنف ضمن الأمراض القلبية الوعائية، وأغلبها مرتبط بنمط الحياة وبعض العوامل الأخرى.
وتتضمن الأمراض التي تصيب القلب العيوب الولادية، والتي يمكن أن تؤدي للإصابة بأحد أنواع المتلازمات، والتي تسمى بمتلازمة أيزنمنجر، والتي ترجع إلى وجود
عيب ولادي في القلب.
و يؤدي وجود هذا العيب في القلب إلى ظهور ثقب، أو تحويلة بين غرفتي القلب، وهو أكثر أسباب الإصابة بمتلازمة أيزنمنجر، حيث يترتب على هذا الثقب توزيع الدم بشكل غير سليم في القلب والرئتين.
نتناول في هذا الموضوع متلازمة أيزنمنجر بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إليها، وأعراضها التي تظهر، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.


الحمل خطر


ذكر موقع «المكتبة الوطنية الأمريكية للطب» أن متلازمة أيزنمنجر تحدث عند زيادة ضغط الدم في الرئتين، وذلك نتيجة انعكاس تدفق الدم من خلال الثقب، التحويلة، ولذا فإن الدم المفتقر للأكسجين يتدفق من الجانب الأيمن للقلب إلى الجانب الأيسر، وعندما يضخ في الجسم لا يحصل على كمية الأكسجين التي تكفي جميع الأعضاء والأنسجة. وتعد هذه المشكلة من الحالات التي تهدد الحياة، ولذلك يحتاج المصاب إلى رعاية طبية سريعة ودقيقة، ومن الممكن أن تحسن الأدوية من أعراض هذا المرض.
ويمثل الحمل خطراً كبيرة على المصابة بمتلازمة أيزنمنجر، وربما أدت إلى الوفاة، ولذلك في كثير من الأحيان يوصي الطبيب بتحديد النسل بشكل نهائي.
ويفضل عدم تناول حبوب تنظيم النسل، لأنها تحتوي على هرمون الأستروجين، الذي يزيد من خطر الإصابة بجلطات الدم


جلد أزرق


ونشر موقع «مدسكيب» عن أعراض المصاب بمتلازمة أيزنمنجر، حيث قال: إن هناك مجموعة من الأعراض والعلامات، والتي تبدأ بتغير لون الجلد إلى الأزرق أو الرمادي، وذلك نتيجة نقص الأكسجين، ويرتفع عدد كريات الدم الحمراء.
ويشعر المصاب بالإرهاق وضيق التنفس مع بذل أي نشاط بسيط، وفي بعض الأحيان يعاني ضيق التنفس حتى أثناء الراحة، ويعاني من انتفاخ أو تورم أطراف الأصابع، كما تصاب أظفار أصابع اليد أو القدم الكبيرة بالتعجر.
ويشكو المصاب أيضاً ألماً في الصدر أو ضيقاً، كما يعاني من عدم انتظام ضربات القلب، وهو ما يسمى بالخفقان، ويعاني خروج الدم مع السعال، أو ما يعرف بسعال الدم، واضطرابات النزف.
وتشمل الأعراض الدوخة والخدر أو الوخز في أصابع اليد أو القدم، كما يعاني مشاكل في الكلى ونقص الحديد، والصداع وانتفاخ البطن.
وتصاب بعض الحالات القليلة للغاية بالنقرس، وذلك لأن الجسم يمتص وينتج حمض اليوريك بشكل زائد، مع ضعف الإفراز.


ثقب بين الحجرات


تحدث متلازمة أيزنمنجر في العادة نتيجة وجود ثقب أو تحويلة بين حجرات القلب، أو بين الأوعية الدموي الرئيسية. وتعتبر هذه التحويلة عيباً في القلب يولد به المصاب، وتتعدد عيوب القلب التي تكون سبباً في الإصابة بمتلازمة أيزنمنجر.
وتشمل هذه العيوب تشوه الحاجز البطيني، حيث تتواجد التحويلة في جدار الأنسجة، وهي تقسم الجانبين الأيمن والأيسر من حجرات القلب الرئيسية، البطينات، وتعتبر من أكثر أسباب الإصابة بهذه المتلازمة.
ويؤدي للإصابة بها كذلك عيب الحاجز الأذيني، وهو تحويلة في جدار الأنسجة التي تقسم الجانبين الأيمن والأيسر من الحجرات العلوية للقلب، الأذين.
ويقع عيب القلب التالي، وهو القناة الشريانية السالكة، بين الشريان الرئوي، وهو الذي يحمل الدم إلى الرئتين، ويكون فقيراً في الأكسجين، والشريان الذي يحمل الدم المشبع بالأكسجين، الشريان الأورطي.
ويوجد عيب في القناة الأذينية البطينية وهو فتحة كبيرة في مركز القلب، وفيها تتلاقى الحجرات العولية للقلب مع الحجرات السفلية، وربما لا تعمل بعض صمامات القلب في هذه الحالة بصورة سليمة.


زيادة الضغط


تؤدي هذه العيوب السابقة إلى زيادة ضغط الدم من خلال التحويل، وهو ما يزيد بالتالي الضغط على الشريان الرئوي، وبمرور الوقت فإن زيادة الضغط تتسبب في تلف الأوعية الدموية الأصغر في الرئتين.
ويتدفق الدم إلى الخلف عبر التحويلة، وبالتالي تحدث الإصابة بمتلازمة أيزنمنجر، ويؤدي هذا الأمر إلى اختلاط الدم المشبع بالأكسجين مع المفتقر إليه، وبالتالي يقل مستوى الأكسجين في الدم، وتزداد خلايا الدم، وذلك حتى تحاول تعويض نقص الأكسجين.
ويتسبب في الإصابة بمتلازمة أيزنمنجر عدم علاج العيب الولادي في القلب، كما أن عدم اكتشاف هذه العيوب بشكل مبكر، حتى إغلاقه، يتسبب في تلف شرايين الرئة، ويعتبر من المهم تلقي العلاج في حالة اكتشاف عيب في القلب بشكل سريع. ويزيد خطر الإصابة بهذه المتلازمة إذا كان هناك تاريخ عائلي في الإصابة بعيوب القلب، ولذلك ففي حالة تعرض أحد أفراد العائلة للإصابة بعيب في القلب، فينصح بفحص بقية أفراد العائلة.


تهدد الحياة


تعتبر متلازمة أيزنمنجر من الحالات التي تهدد حياة المصاب، وذلك بالرغم من أن هناك من تم تشخيص إصابته بهذه المتلازمة وتجاوز عمر الـ 60، وبصفة عامة فإن تشخيص الحالة يعتمد على نوع عيب القلب الولادي والأمراض الأخرى. ويعاني المصاب مجموعة من المضاعفات، والتي يمكن التحكم فيها من خلال الملاحظة والانتظام في العلاج.
وتشمل المضاعفات انخفاض مستويات الأكسجين في الدم، لأن تدفق الدم في الاتجاه المعاكس سيتسبب في عدم تلقي أنسجة الجسم وأعضائه المختلفة الأكسجين الذي يكفيها، ولذا فإن أقل نشاط لا يتحمله جسم المصاب، كما أن لون جلده سيتحول إلى الأزرق أو الرمادي.
ويترتب على النقطة السابقة ارتفاع تعداد خلايا الدم الحمراء، كما أن الكليتين تطلقان هرموناً مهمته زيادة عدد خلايا الدم الحمراء والكريات التي تحمل الأكسجين، وربما أدى هذا الأمر إلى انخفاض تدفق الدم للأعضاء الأخرى، ومن ثم زيادة خطر الإصابة بجلطات دموية.


اضطراب النبض


يعتبر من مضاعفات هذه الحالة عدم انتظام نبض القلب، والذي ربما كان نتيجة تضخم وسمك جدران القلب، وفي نفس الوقت انخفاض مستويات الأكسجين.
ويمكن لبعض أنواع هذه الحالة أن تؤدي إلى ركود الدم في حجيرات القلب، وبالتالي يتجلط، وفي حالة انتقلت الجلطات إلى خارج القلب وسدت شرياناً، فإن المريض عرضة للإصابة بسكتة قلبية أو صمة رئوية.
ويحتمل أن يؤدي عدم انتظام نبض القلب كأحد مضاعفات متلازمة أيزنمنجر إلى توقف نبض القلب بصورة فجائية، وتحتاج هذه الحالة إلى عناية طبية سريعة، لأن المصاب عرضة للموت خلال دقائق.


مشاكل الكلى


يمكن أن يسبب الضغط الزائد في القلب والرئتين عدداً من المضاعفات، فربما تسبب في إضعاف عضلة القلب، وإنقاص فاعلية ضخه للدم، وفي النهاية يصل الأمر إلى فشل القلب، ومن الممكن أن تسبب هذه المتلازمة نزيفاً في الرئتين والمجاري الهوائية يهدد حياة المصاب.
وتزيد مستويات خلايا الدم الحمراء المرتفعة في متلازمة أيزنمنجر من خطر الإصابة بالجلطة الدموية، والتي ربما انتقلت من القلب إلى الدماغ، فتؤدي إلى الإصابة بالسكتة الدماغية.
ويمكن أن يؤدي انخفاض مستويات الأكسجين في الدم إلى مشاكل في الكلى، ومن الممكن أن تزيد من خطر الإصابة بالنقرس.


مخطط كهربية القلب


يتضمن تشخيص متلازمة أيزنمنجر مجموعة من الفحوصات، بالإضافة إلى الفحص البدني الذي يجريه الطبيب والتعرف إلى التاريخ الطبي للمصاب. ويعتبر أول الفحوص مخطط كهربية القلب، والذي يسجل نشاط كهربة القلب، ويساعد هذا الاختبار في التعرف إلى القصور الحادث في القلب بسبب هذه المتلازمة، ويمكن أن يطلب الطبيب إجراء أشعة سينية للصدر، بهدف فحص تضخم القلب والشريان الرئوي.
ويجري فحصاً بالموجات فوق الصوتية للقلب، والذي يمكن للطبيب من خلاله رؤية بنية القلب وتدفق الدم داخله، كما يرى القصور الحادث فيه. وتبين اختبارات الدم عدد خلايا الدم، وفي الأغلب تكون مرتفعة لدى المصابين بمتلازمة أيزنمنجر، كما تساعد هذه الاختبارات في تقييم وظيفة الكلى والكبد ومستويات الحديد.


وقف الأضرار


يهدف علاج متلازمة أيزنمنجر إلى التحكم في الأعراض ووقف الأضرار التي يشكو منها المصاب، ويمكن للأدوية أن تساعد في الإحساس بالتحسن، ومنع المضاعفات الخطيرة. ويفضل بصفة عامة عدم اللجوء إلى التدخل الجراحي لإصلاح الفتحة التي توجد في القلب بمجرد الشكوى من أعراض المتلازمة، لأن الجراحة تهدد الحياة، مع أهمية المتابعة مع طبيب ذي خبرة.
وتعتمد أول خطوة من العلاج على المتابعة مع طبيب قلب متخصص في أمراض القلب الخلقية، والذي يزوره المصاب مرة على الأقل في السنة.
ويعتبر الخيار الأول للعلاج مجموعة من الأدوية، والتي تشمل أدوية للتحكم في عدم انتظام ضربات القلب، ومكملات حديد بالنسبة لمن يعاني انخفاضا حادا في الحديد.


مميعات الدم


يوصي الطبيب بالأسبرين ومميعات الدم الأخرى، وذلك بالنسبة لمن يتعرضون للإصابة بجلطة دموية أو سكتة دماغية، ويجب عدم تناول هذه الأدوية إلا بتوصية طبية، لأن هناك مصابين معرضين لخطر النزف المتزايد.
ويمكن أن يوصي الطبيب بسحب الدم «الفصد»، وذلك بالنسبة للحالات التي تعاني ارتفاع تعداد خلايا الدم بشكل كبير، ويشكون من أعراض كالصداع واضطرابات بصرية، ويجب الانتباه إلى أن هذا الإجراء لا يتم قبل استشارة طبيب أمراض القلب الخلقية، ولا يجب تكراره.
يحتاج بعض المصابين، والذين لم تثبت فاعلية العلاجات السابقة لديهم، إلى زراعة قلب أو رئة في نهاية المطاف، أو زراعة رئة مع إصلاح الثقب في القلب.


مارس حياتك


تشير دراسة حديثة إلى إمكانية أن يمارس المصاب بمتلازمة أيزينمنجر حياته بشكل طبيعي ونشاط، ولكن مع الالتزام بالعلاج والاحتياطات اللازمة لحالته.
وتبدأ هذه الاحتياطات بتجنب المواقف التي من الممكن أن تتسبب في انخفاض ضغط الدم بصورة كبيرة، ومن ذلك حمامات الساونا، أو البقاء في حمام ساخن مدة طويلة، كما أن عليه تجنب الأنشطة التي تقلل ضغط الدم، والأنشطة المسببة للإجهاد كحمل الأشياء الثقيلة.
ويجب كذلك تجنب صعود المرتفعات العالية، لأن الأكسجين يقل فيها، وكانت الكلية الأمريكية لأمراض القلب وجمعية القلب الأمريكية قد أوصت بتجنب العيش في ارتفاع 5 آلاف قدم، وينطبق نفس هذا التحذير على السفر بالطائرة.
وينبغي الحذر بالنسبة للمكملات الغذائية والأدوية، لأنها ربما تتسبب في رفع أو خفض ضغط الدم، أو زيادة خطر النزيف أو تجلط الدم، أو التأثير في وظيفة الكلى.
ويعتبر من الأمور المهمة تجنب التدخين بكل أشكاله، الإيجابي والسلبي، لأنه يتسبب في تلف الشرايين الرئوية، وزيادة خطر المضاعفات.
وكان أول من وصف هذه المتلازمة الدكتور فيكتور أيزنمنجر في عام 1897، ولذلك تمت تسمية هذه المتلازمة باسمه، وكان أول من نسب إليه هذا المرض الدكتور باول وود.