«الفوالة».. مائدة الحفاوة

سكن وسكينة
04:05 صباحا
قراءة 3 دقائق

الشارقة: أمل سرور

«الفوالة» تقليد تراثي أصيل حُفر في الذاكرة الشعبية الإماراتية، لا يمكن أن يخلو الوجدان الشعبي، قبل البيت الإماراتي منها، وهي التي ارتبطت بثقافة وكرم وعزة الأجداد.

كلمة «الفوالة» مشتقة من الفأل الحسن الذي يستبشر به الإنسان، وتعني الطعام الذي يقدّم للزائر سواء أكان رجلاً أو امرأة، قريباً كان أو غريباً. واستقبال الضيف بالفوالة أو الطعام هو دليل على الكرم الإماراتي.

والفوالة نوعان: الأول صباحية، والثانية مسائية، وهي عبارة عن سفرة بسيطة جداً بعيدة كل البعد عن التفاخر والتباهي تتكون من ألوان تعكسها جمالية الفواكه المنسقة والطازجة، تلفت أنظار الضيوف بالحضور الآسر لبعض الأكلات المحلية التراثية، لتمثل عنواناً للكرم الأصيل، واستقبال الضيوف من الأهل والأقارب والأصدقاء.

ذلك الكرم المتوارث منذ القدم ضربت به الأمثلة وقيلت فيه الأشعار، فالتاريخ حافل بمواقف راسخة عكست في مضامينها ارتباط القدامى بهذه الصفة واعتبارها أحد أهم مبادئ الحياة، ولا يمكن التخلي عنها حتى وإن كلفهم ذلك نفيس أموالهم وأملاكهم.

وفي الماضي كان يطلق على الضيف الذي يأتي من خارج «الفريج» أو المنطقة في الإمارات «الخاطر» للشخص أو «الخطار» للمجموعة؛ حيث يتم استقبالهم عند مدخل «الفريج»، في حين يترجل الضيوف عن دوابهم قبيل دخولهم المنطقة، تقديراً لأهالي الحي الذي يقصدونه، فيجدون الترحيب الحار والاستقبال اللائق من كل الذين يصادفونهم، فيما يقدم أهل الحي على ربط الراحلة والدواب وتقديم الأعلاف لها، ومن ثم اصطحاب الضيوف إلى بيت الشخص الذي يقصدونه.

ومن هنا تنطلق الضيافة بتقديم «الفوالة» والقهوة للضيف، وسابقاً إذا جاء الضيف قاصداً أهل البيت لحاجة ما، تراه يمسك بفنجان القهوة، ولا يشربه إلا بعد أن يقول حاجته وتُلبى له، وإن لم ينال ما جاء من أجله، ربما يمتنع عن شرب القهوة؛ وذلك نادراً ما يحدث فالأغلب أنه ينتهي المطلب الذي جاء من أجله الضيف بكلمة «تم» أو «ياك ما طلبت» من المضيف، ثم يشرب قهوته، ويتحدثون في التفاصيل بعد أخذ «العلوم» والتي تبدأ بسؤال المضيف للضيف بجملة«يحي علومك» أو«شي علوم» فيجيب الضيف:«تسلم تدوم».

و«الفوالة» مستمرة طوال أيام الأسبوع في كل البيوت الإماراتية، وتتداول، بمعنى أنها تقام كل يوم في بيت أحد من الأهل والجيران، لتكون حافزاً لهم على التواصل والتزاور والألفة والمحبة في جو أسري.

ومثلها مثل عادات وتقاليد كثيرة توارثها الأبناء عن الأجداد، تحرص كل البيوت حتى هذه اللحظة على الاحتفاظ بها، وفي الأغلب تدور أحاديث حميمية بين المجتمعين من أفراد الأسرة حولها، وهي عادة تراثية قديمة اتسم بها أيضاً الشهر الفضيل، الذي يحرص فيه الأهل على التجمع اليومي عبرها؛ لكن الأمر تبدد هذا العام في ظل «كورونا».

وفي الماضي كانت الفوالة لا تزيد على بعض الأطباق التراثية كالخبيصة والعصيدة والبلاليط، وسلة فواكه وقهوة بالهيل والزعفران، وكانت تتميز الهريس والثريد، والخمير وهو نوع من الخبز المحلي إلى جانب النخي والباجلة، إضافة إلى أن بعضاً من الأسر تفضل وضع الساقو والتمر والشاي والقهوة العربية التي لابد أن تقدم بعد تناول الفوالة.

اليوم اختلفت الفوالة؛ إذ صارت مائدة ممتدة من الأطعمة، وأدخلت إليها الحلويات الشامية والمغربية وكذلك الشيكولاته، إضافة إلى العديد من الأطباق التراثية المتنوعة، وهذا ما جعل من الفوالة وجبة كبيرة ممتدة تضم كل أطياف الطعام وأصناف المذاقات الشرقية.

وتتشابه «الفوالة» في كل البيوت وعلى مدار الأيام؛ لكنها تصبح أكثر تميزاً في البيوت الإماراتية في الأعياد خاصة عيد الفطر المبارك؛ حيث تجهز قبل قدومه بأيام، وترافقها مظاهر وطقوس مختلفة تبدأ من ليلة العيد، وتوضع الملابس الجديدة على المبخرة، أو ما يعرف ب«المدخنة» حتى الصباح، وتمتلئ زوايا البيت بالطيب، وتسكن البهجة عيون الصغار الذين ينتظرون بشغف زيارة الأهل والأقارب لتسلم «العيدية».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"