تحقيق: نجاة الفارس

السيرة الذاتية الأدبية فن مشوق، لكن ما شروط كتابة هذا الفن؟، هل ينبغي على الكاتب أن يكتب سيرته الذاتية؟ في أي عمريفضل كتابتها؟ يؤكد عدد من المثقفين أن السيرة الذاتية فن صعب ورغم كونه الأكثر تشويقاً، فإن الشرط الأهم في نجاح هذا الفن يتمثل في صياغته، فاللغة هي التي تهب الكتابة وهجها وألقها.

يجب ألا يقدم الكاتب على كتابة سيرته، إلا إذا رأى في حياته عدة أحداث فارقة تستحق الوقوف عندها، والأدب العربي عموماً، حافل بنماذج مضيئة من الذين كتبوا سيرتهم الذاتية بأنفسهم.

يقول الروائي علي أبو الريش: ليس ضرويا أن يكتب كل كاتب سيرته الذاتية، فجميع الأعمال الأدبية التي يقدمها الكاتب هي جزء من سيرته الذاتية، سواء كانت قصيدة أو رواية أو قصة، المهم هو أن يتقن الكاتب تقديم نفسه أمام القارئ، بلغة جيدة وأسلوب لافت ومصداقية عالية.

وبالنسبة للعمر المناسب لكتابة السيرة الذاتية، لا بد أن يمتلك الكاتب شيئاً من التجربة، لا يمكن لشاب في العشرين مثلاً أن يكتب سيرته الذاتية، ماذا سيقدم للقارئ، إنما لا بد له أن يختار الوقت المناسب والعمر المناسب حتى تكون اختمرت تجربته فيقدم نفسه بشكل متكامل لا مجرد شذرات.

كتابة السيرة الذاتية تحتاج إلى تفرغ بالكامل، ومن يكتبها يكون كالمحلل النفسي، يرصد كل ما مر بحياته ويكتب عنه بمصداقية، لا أن يأخذ الجانب المضيء فقط ويغفل عن أمور أخرى، فالسيرة يجب أن تكون شاملة متكاملة، بعيدة عن تزييف الحقائق.

أصعب الفنون

الروائي ناصر عراق يقول: «السيرة الذاتية من أصعب فنون الأدب، وهي الأكثر تشويقاً وإثارة إذا كتبها صاحبها بذكاء وصدق؛ لأنها تفصح عن تجربة حياة لرجل حقق إنجازاً مهماً في مسيرته، يتوجب الاطلاع عليها؛ ومعرفة التحديات التي واجهها وتجاوزها بالحكمة والوعي والدأب.

منذ أن نشر طه حسين سيرته المذهلة (الأيام/‏‏ الجزء الأول)، وهذه السيرة تعد النموذج الأكثر بريقاً في تاريخنا الأدبي الحديث؛ لما تتسم بها من مصداقية من جهة، وبسبب لغتها المشرقة من جهة أخرى.

بالنسبة لي لا يوجد عمر محدد لكتابة السيرة الذاتية، فالأيام كتبها حسين وعمره أربعون عاماً، بينما زكي نجيب محمود نشر سيرته الذاتية (قصة نفس) وهو في الستين، وأعاد تنقيحها وهو في الثمانين.

ليس شرطاً أن يتفرغ كل كاتب لتدوين سيرته الذاتية، فمحفوظ، لم يترك لنا سيرته العطرة مسجلة في كتاب، وإن كنت أظن أن الكاتب الذي منحته المقادير نعمة الحياة الثرية الغنية بالوقائع والصراعات والتحولات الكبرى هو الأولى بذلك؛ لذا أتخيل أن القارئ بحاجة لقراءة سيرة مبدع عاش حياة اجتماعية صاخبة أو اشتبك في معارك طاحنة، فكرية أو أدبية أو حتى سياسية، القارئ يتوق إلى معرفة سيرة رجل جاب العالم ، أو يطلع على تجربة كاتب حقق شهرة مدوية، أو يبحر في سيرة إنسان عاملته المقادير بالتي هي أسوأ، ومع ذلك انتصر على العراقيل التي اعترضت طريقه، وهكذا.

أثر إنساني

الدكتور محمد الحوراني أكاديمي وناقد، يقول: السيرة الأدبية من الفنون الأدبية المتجذرة في التراث الإنساني، وهي من الفنون السردية التي سبقت الرواية؛ بل إنها اتخذت منها وجهاً من وجوه السرد، وبهذا تروي لسيرة شخصية إنسانية ذات أثر في محيطها.

أول من كتب السيرة الذاتية الأدبية هو روسو بعنوان «اعترافات»، وتحمل المكاشفة ومحاسبة النّفس والوقوف على التفاصيل، وانتقلت السيرة إلى العربية على يد طه حسين، والسيرة الذاتية الأدبية لا يكتبها إلا أديب متمرس، لذا نجد كثيراً من الأدباء الكبار، بادروا إلى كتابة سيرهم؛ بل إن بعضهم يشير إلى طلب جمهوره في أن يكتب سيرته الذاتية، كما يشير إحسان عباس في مقدمة سيرته الذاتية، بأنه انصاع في سيرته المعنونة (غربة الراعي) إلى طلب الأصدقاء.

نماذج مضيئة

أما الشاعر ناصر البكر الزعابي فيقول: يمتد تاريخ السيرة الذاتية إلى زمنٍ بعيد؛ فظهرت العديد من المؤلفات التي حوّلت إلى وثائق تاريخية لعصورٍ غابرة في الأدب العربي، ومن البدهي التفريق بين كتب التراجم والمؤرخين وكتب السيرة الذاتية، ولا شك أن السيرة الذاتية المبنية على وقائع وأحداث عاصرتها الشخصية المعنية، عكس السيرة الغيرية التي ركّزت على أحداث الزمان، فالأدب العربي عموماً، حافل بنماذج مضيئة لمن كتبوا سيرتهم الذاتية بأنفسهم. إن أكثر الصعوبات التي واجهها الكتّاب في توثيق سيرهم، يتمثل في عدم تجاوب الأسر بالشكل الكافي، وإحاطة الحياة الخاصة للشخصية بسياجٍ من السرّية وفق أعرافٍ تقليدية قد نتفق معها وقد نختلف؛ لذلك نجحت كتب السيرة الذاتية التي قدّمت في حياة صاحب الشخصية وليس بعد رحيله.

معايير

الشاعر الدكتور محمد فياض، يقول: السيرة الذاتية الأدبية غَنيمةٌ في ثوب حكاية، هي كُتُبٌ في كتاب، وعلماء في عالِم، وأدباء في أديب، وهي رحلةٌ دافئة في ثوبٍ شَفيف، وإذا كان لكل فنٍّ شروط لقبوله، فأول شرط في كتابة السيرة الأدبية هو «الصدق»، والشرط الثاني: أن يكون لدى الكاتب سيرة فعلاً؛ والشرط الثالث: تدوين الموثّق لا المظنون؛ والرابع: الإنصاف، والشرط الخامس: الاحتراز من التقيّد بقواعد (طال وقصر) وهناك شروط أخرى يطول ذكرها.. ولكن هل ينبغي على كل كاتب أن يكتب سيرته الذاتية الأدبية؟، نعم طالما أنه «كاتب» فينبغي ألا يفوته أن قراءة سيرته هذه إنما هي خلاصة جهده وكفاحه.