الشارقة: أوميد عبدالكريم إبراهيم

يعتبر الشعر منذ قديم الزمان جزءاً رئيسياً من الهوية ، يعكس مكنونات النفس البشرية، وجملة من الأحاسيس والمشاعر التي تختلج في صدر الإنسان، والذي يترجمها إلى حروف وكلمات تطرب لها الآذان وترتاح لها، كما أن الشعر بحدِّ ذاته موضعُ جدل فيما إذا كان موهبةً فطريةً تولد مع الإنسان، أم مهارةً يمكن تعلّمها وتلقينها في أي وقت.
يُجمع عدد من الشعراء الإماراتيين والعرب في هذا الاستطلاع على أن الشعر موهبة فطرية تولد مع الإنسان، وأن تعليم الشعر ممكن في نطاق ضيق، شريطة توفر الرغبة والموهبة، وكذلك مَلكة الكتابة، فضلاً عن الإلمام المسبق بعلوم الشعر وأنواعه وأشكاله.


تهذيب الذائقة


يطرح مدير بيت الشعر في الشارقة، محمد عبدالله البريكي، ملاحظات حول مدى إمكانية تعليم الشعر من خلال المناهج التعليمية والدورات التدريبية، وآليات تحقيق ذلك، ويقول إن دخول وسائل مختلفة تتوافق مع التطور في العملية التعليمية، تسبب في تراجع التركيز على الشعر العربي في المناهج الدراسية، والذي يمثل حضوره لدى الطالب في مراحله الدراسية الأولى مادة مشوقة، تعينه على فهم اللغة، وتعوده على موسيقى الشعر، وتهذب ذائقته التي ستتغذى على روائع ما قيل من شعر عربي يحتوي على الحكمة واللغة الرشيقة.
ويستطرد قائلاً: ليس بالضرورة أن يصبح الجميع شعراءً، مع أن هذا أمل الكثير من الناس، على أن الشعر في ظل غياب الموهبة، والتي أعني بها الهبة الإلهية للإنسان، أراه بعيد المنال، فتعلم الشعر لمن لم يُخلق شاعراً أمرٌ صعب، لكنه مهم لصاحب الموهبة من أجل تجويد نصه من حيث اللغة والصورة، وكذلك الخيال وفنيات الرمز والانزياح، إلى جانب الشكل والإيقاع المرتبط بالأوزان والتفاعيل؛ لذلك فإن العودة إلى الجذور تحفز أصحاب المواهب الشعرية على إخراج مكنوناتهم، والتعبير عن أحاسيسهم، ونفض الغبار عن الموهبة الكامنة لتظهر جليَّة من أجل الإسهام في حضور الشعر العربي، ليواصل مسيرته، ويحافظ على هويته وحضارته وحضوره.


إيقاع الذات


تقول الشاعرة والناقدة، د.بهيجة إدلبي، إن من المهم أن نتساءل أولاً ما هو الشعر؟ حيث يأخذنا هذا السؤال إلى سؤال آخر، وهو: هل الشعر فطرة أم علم؟ وهنا ينهض جدل كبير حول هذين السؤالين، لأن الشعر ينهض من الزوايا المعتمة في الذات، الزوايا الغامضة التي تستجيب لتحولات القلق وتحولات الرؤى في النفس الإنسانية، فهو حالة أشبه بالوسواس الذي يفرد إيقاعه على الذات لتستجيب إلى الإيقاع الكوني، ففي الإبداع، وخاصة في الشعر، ليست هناك مقولات وآراء ثابتة، وإنما هناك تجاذب بين جميع الآراء والأفكار التي تحدد ماهية الشعر، لأن الشعر ترجمة للقلق الوجودي لدى الإنسان، كما أنه ترجمة لقلق الذات، وبين هاتين المساحتين من القلق ينهض الشعر من فطرة الموهبة؛ لكن هذه الموهبة لا تكفي كي تستجيب القصيدة لمساحات القلق المختلفة التي يعيشها الإنسان، فلا بد من المعرفة التي تصقل هذه الموهبة، ولا بد من اختبار ذلك كله في مختبر الجمال والإحساس الفني.
وتابعت: يمكننا القول إن الشعر هو تكامل بين عدة تجارب، كالتجربة الحياتية، اللغوية، المعرفية والجمالية، لأن الشعر هو موسيقى الأفكار، ومقولة أفلاطون (إن الناس يولدون، وتولد معهم مؤهلاتهم) لا تعني أن هذه المؤهلات الفطرية تكتفي بذاتها بعيداً عن المعرفة والتعلم، وقد أشار العرب قديماً إلى التكامل بين الفطرة والتعلم من خلال موقفين، الأول: عندما سُئل أعرابي ما هو الشعر عندكم، فأجاب: شيء تجيش به نفوسنا فتتلقفه ألسنتنا، أما الموقف الثاني فيوجزه هذا البيت: (الشعر صعب وطويل سلمه... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه)، وبهذا المعنى يمكننا القول إن الشعر موهبة تحتاج إلى صقل عبر التعليم، فالموهبة وحدها لا تكفي، والتعليم وحده لا يكفي، ففي الحالة الأولى يصبح الشاعر ضيق الأفق، وفي الثانية ليس هناك شاعر، بل عارف بالشعر وآليات نظمه، أما حين تتكامل الموهبة والمعرفة العلمية والجمالية، فعندئذ يولد الشاعر.


تفاصيل


يؤكد الشاعر، حسن النجار، أن الشعر موهبة تحتاج إلى تعلم بعض المهارات اللغوية أولاً، وكذلك القراءة المستمرة في مختلف المجالات، فضلاً عن تعلم مهارات الكتابة وامتلاك أدواتها، مع ضرورة وجود رغبة دائمة للاطلاع والنظر في التفاصيل الدقيقة المحيطة بحياة الإنسان والتأمل فيها، إلى جانب قراءة الشعر بمختلف أنواعه وأشكاله وعدم الاقتصار على نوع معين، وكذلك قراءة أشعار الثقافات الأخرى المترجمة إلى اللغة العربية، وقد يكون للأصدقاء الشعراء دور في تنمية الذائقة وحتى الموهبة الشعرية.
وأضاف: لا شك في أن من الضروري أن ينشر الشاعر المبتدئ أعماله منذ البداية، وعدم كبت الموهبة حتى لو كان عملاً بسيطاً، وأن يُطلع عمله على شعراء آخرين على قدر جيد من الخبرة، ولكن إذا لم تكن هناك موهبة واستعداد بالأساس، فلن تكون هناك جدوى من تعليم الشعر، أما وجود الرغبة والموهبة، وكذلك مَلكة الكتابة، فيمكن أن يساعد على تعليم الشعر إلى حدٍّ ما.


أساسيات


يرى الشاعر، خالد الظنحاني، أن تعلم الشعر هو عبارة عن تعلم أساسيات كتابة القصيدة وأدواتها، كعلم العروض مثلاً، فالشعر موهبة فطرية بطبيعة الحال، وصقل هذه الموهبة يتطلب قراءة الأشعار بكثافة للاستفادة منها، على أن تكون للشاعر بصمته الخاصة وهويته الشعرية، كما أن بإمكان المثقف كتابة القصيدة نظماً، ولكنه لن يكون شاعراً في هذه الحالة بل «ناظماً»، أما الشاعر فيجب أن يكون مُطلعاً على أساسيات كتابة القصيدة وعلم العروض لكي يكون للشعر روحاً وهوية وبصمة.
وأردف يقول: هناك معايير يجب توفرها لتعليم الشعر، فقد سبق أن نظَّمنا ندوات ومحاضرات لتعليم أساسيات كتابة القصيدة، وأخرى لتعليم الإلقاء، وهي مفيدة للشعراء؛ خصوصاً الموهوبين منهم، وليس لمن يرغب بأن يكون شاعراً، أما تعليم شخصٍ ما لا على التعيين على أن يكون شاعراً، فهو أمر صعب التحقق.