تصنف حمى الجبال الصخرية المبقعة على أنها عدوى بكتيرية، وتنتقل من خلال حشرة القراد، سواء قراد الكلب أو قراد الخشب، وذلك بعد أن تلدغ الحشرة الحاملة للعدوى الأشخاص. ويعاني المصاب بها، مجموعة أعراض، تبدأ بصداع وحمى شديدين، ويظهر في العادة على الكاحلين والمعصمين طفح جلدي، وذلك خلال أيام عدة من ظهور الأعراض الأولية. ويعتمد العلاج بصفة أساسية على المضادات الحيوية، والتي أثبتت فاعلية مع أغلب المصابين، وفي الحالات التي يحدث فيها إهمال للعلاج، فإن الأعضاء الداخلية، كالقلب والكلى، عرضة للإصابة بأضرار بالغة.
نتناول في هذا الموضوع، مشكلة حمى الجبال الصخرية المبقعة بكل تفاصيلها، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، وكذلك أعراضها التي تميزها عن غيرها، ونقدم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.
قراد الكلب والخشب
تنتقل عدوى حمى الجبال الصخرية المبقعة للشخص من خلال حشرات القراد البالغة والنشيطة، وتصاب هذه الحشرات بعدوى الركيتسيات من خلال تغذيتها على ثدييات مصابة، وبخاصة القوارض، ويمكن لإناث القراد المصابة أن تنقل العدوى لذريتها.
ويكون انتقال العدوى من خلال لدغات قراد الكلب أو الخشب، وبصفة عامة، فإن العدوى لا تنتقل من شخص لآخر، ويزداد خطر الإصابة بالنسبة لهؤلاء الذين يقضون وقتاً طويلاً في مناطق ينتشر فيها القراد.
وتتشابه أعراض حمى الجبال الصخرية المبقعة مع أعراض أمراض أخرى، وفي بعض الأحيان لا تظهر إلا بعد 14 يوماً.
ويعاني المصاب في الأغلب صداعاً شديداً وقشعريرة وإرهاقاً حاداً، إضافة إلى الشعور بآلام في العضلات.
صورة مفاجئة
تظهر الأعراض بصورة مفاجئة بعد تعرض المصاب للدغة القراد في فترة تتراوح من 3 إلى 12 يوماً، وكلما ظهرت الأعراض سريعاً كانت العدوى أشد.
وتبدأ من حمى شديدة خلال بضعة أيام، وتستمر من أسبوع وحتى 3 أسابيع، وذلك في حالات العدوى القوية، ومن الممكن أن يعاني المريض سعالاً جافاً ومتقطعاً وسطحياً، ومن الشائع وجود قيء وغثيان.
ويلي ظهور الحمى على المصاب ظهور طفح جلدي، وذلك بين اليوم الأول والسادس من الحمى، ويكون على الكاحلين والمعصمين.
ويبدو الطفح في أوله وردي اللون ومسطحاً، وبمرور الوقت يصبح داكن اللون ويرتفع عن سطح الجلد قليلاً، ولا يكون مصاحباً بحكة.
تطور الحالة
يجعل الماء الدافئ الطفح الجلدي واضحاً بشكل أكبر، وبسبب النزف في الجلد فإن هناك مناطق أرجوانية صغيرة تظهر، والتي تعرف بالنمشات، وربما مات بعض مناطق الجلد، وذلك لو كانت العدوى شديدة، ويصبح لونها أسود، وهو ما يعني إصابتها بالغرغرينة.
ويلاحظ أن بعض المصابين بحمى الجبال المبقعة، نحو 10%، لا يظهر عليهم أي طفح جلدي، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة تشخيص الحالة. ويمكن أن يعاني المصاب مع اشتداد الحالة من أعراض أخرى، كالأرق والهذيان، وفي بعض الأحيان يصاب بغيبوبة، نتيجة إصابة الأوعية الدموية في الدماغ.
ويشكو من وجع البطن والالتهاب الرئوي، وتضرر القلب وفقر الدم، وتصل الأعراض عند العدوى الشديدة إلى انخفاض شديد في ضغط الدم يؤدي إلى الوفاة.
الأوعية الدموية
تعد أبرز المضاعفات المرتبطة بحمى الجبال الصخرية المبقعة، تسببها في أضرار بالأوعية الدموية الصغرى، وبالتالي حدوث تسرب منها أو جلطات دموية، وممكن أن يؤدي هذا إلى التهاب الدماغ، وهو سبب الإصابة بالتشوش والهذيان.
ويمكن أن تؤدي هذه الحمى إلى التهاب منطقة القلب والرئتين، ويتسبب في الإصابة بفشل قلبي أو رئوي في الحالات الشديدة، ويؤدي تضرر الأوعية الدموية الصغرى إلى الإصابة بالفشل الكلوي، لأن الأوعية الموجودة بها صغيرة للغاية وأيضاً ضعيفة.
ويؤدي وجود بعض الأوعية الدموية الصغرى في أصابع اليدين والقدمين إلى خطر الإصابة بالغرغرينا، وبالتالي ضرورة بترها، وذلك عندما لا تقوم الأوعية بأداء وظيفتها بصورة صحيحة، ويعد أخطر هذه المضاعفات الوفاة، وذلك في الحالات التي لا تعالج بشكل جيد.
أمران مختلفان
ترجع الإصابة بحمى الجبال الصخرية المبقعة إلى الريكتسية، وهي تعد نوعاً خاصاً من البكتيريا، إلا أنها تختلف عنها في أمرين، الأول أنها أصغر حجماً، والثاني أنها تشبه الفيروسات، فلا تتكاثر خارج الخلية الحية.
ويعد مصدرها الرئيسي والحامل لها هو القراد، وإذا التصقت قرادة حاملة للعدوى بالجلد، وتغذت على دم إنسان مدة ما بين 6 إلى 10 ساعات، فمن الممكن أن تصيبه بالعدوى.
ويمكن أن ينتقل السائل الموجود بها إلى الجسم من خلال أي فتحة، كمكان العضة مثلاً، وذلك عند محاولة إزالتها، ويلاحظ أنه من الممكن ألا ترى القرادة بشكل مطلق.
أنواع نشطة
تحدث الإصابة بهذه الحمى بشكل أساسي إذا كان نوع القراد نشطاً بشكل كبير، وبخاصة عندما يفضل الأشخاص قضاء وقت أكبر في الأماكن المفتوحة، مع كون الطقس دافئاً، ويلاحظ أن حمى الجبال الصخرية المبقعة لا تنتقل من شخص لآخر.
ويزيد من خطر الإصابة بها توفر بعض العوامل، كأن يكون الشخص مقيماً في منطقة منتشر فيها الداء، وكذلك فإن هناك أوقاتاً تنتشر فيها العدوى بصورة كبيرة، كالربيع وأوائل الصيف.
ويعد من عوامل الخطر أيضاً البقاء مدة طويلة في المناطق العشبية أو الخشبية، وكذلك هؤلاء الذين يقضون وقتاً مع الكلاب يزيد لديهم خطر الإصابة بالحمى.
تشابه الأعراض
يمكن أن يجد الطبيب صعوبة في تشخيص الإصابة بحمى الجبال الصخرية المبقعة، وذلك لأن الأعراض الأولى للحالة تشبه الكثير من الأمراض الأخرى.
ويتم من خلال اختبارات عينة الدم أو عينة من الطفح الجلدي، أو من خلال حشرة القراد، للبحث على ما يدل على طبيعة الكائن الذي يتسبب في العدوى، وفي الأغلب، فإن الطبيب لا ينتظر نتائج هذه الاختبارات، لو كان هناك شك قوي في الإصابة بهذه الحالة.
ويزيد اشتباه الأطباء في الإصابة بحمى الجبال الصخرية المبقعة عند ظهور أعراض الحمى والصداع وآلام العضلات في الربيع وأوائل الصيف، وذلك حتى لو كان المصاب لا يعاني طفحاً جلدياً أو لدغة قراد.
مضادات حيوية
يبدأ علاج حمى الجبال الصخرية المبقعة بتحديد المكان الذي دخلت منه البكتيريا إلى الجسم، وفي الحالات التي لا يزال القراد فيها موجوداً وملتصقاً فلابد من إزالته مع توخي الحذر والحيطة بصورة كبيرة.
ويصف الطبيب المعالج المضادات الحيوية بشكل فوري في الحالات التي يشتبه في إصابتها، وذلك بحسب الأعراض التي يراها أو احتمال تعرض المصاب لحشرات القراد التي تحمل العدوى.
ويتناول المصاب المضادات الحيوية الموصوفة، وفي الأغلب يكون الدوكسيسيكلين، من أسبوع وحتى 10 أيام، ويجب ألا تقل المدة عن 3 أيام عقب اختفاء الأعراض.
بالفم والوريد
تختلف المضادات التي توصف للنساء الحوامل حتى لا تسبب أي ضرر للجنين، وربما قلل العلاج المبكر من نسبة الوفيات بما يتراوح من 5% إلى 20%.
ويتجنب المصاب خطر المضاعفات عندما يتلقى العلاج خلال 5 أيام من بداية ظهور الأعراض، وهو الأمر الذي يجعل الطبيب يقرر العلاج بالمضادات الحيوية حتى قبل أن يتلقى نتائج الاختبارات.
وتعطى جرعة المضاد الحيوي بطريق الفم في حالة العدوى الخفيفة، وبطريق الوريد لو كانت العدوى شديدة، ولا يصف الطبيب المضادات الحيوية بالنسبة لمن تعرضوا للدغة القراد، ويمكن أن يطلب منهم الإبلاغ فوراً عن أي أعراض عند ظهورها.
خطوات للوقاية
يمكن أن تساعد بعض الاحتياطات البسيطة على الوقاية من الإصابة بحمى الجبال الصخرية المبقعة، ومن ذلك ارتداء السراويل والأكمام والأحذية الطويلة بالنسبة لمن يضطرون للسير في العشب الطويل والشجيرات المنخفضة، لأنها بيئة ينتشر بها القراد.
ويجب استخدام طارد للحشرات، مع ضرورة اتباع التعليمات التي توجد على الملصق، كما أن هناك ملابس تحتوي على بيرميثرين مشبع داخل النسيج، وهو سام للقراد، ويمكن ارتداؤه في الهواء الطلق؛ حيث يعد مفيداً.
وينبغي عند ملاحظة وجود القراد، أن ينزع بحرص ولطف وباستخدام ملقاط، ويمسك بالقرب من الرأس أو الفم، مع عدم الضغط عليه أو سحقه، وبمجرد إزالته بالكامل تغسل منطقة اللدغة بالصابون والماء أو بكحول تنظيف.
أول تسجيل
كان أول وصف لحمى الجبال الصخرية المبقعة في عام 1896؛ وذلك في ولايات روكي ماونتن في الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الجبال، وهذا هو سبب التسمية، وكان أول تقرير عنها في الأدبيات الطبية بعدها بثلاث سنوات.
وتم تسجيل 4700 إصابة بها في الفترة بين 1989 و1996 في 46 دولة، وأغلب هذه الإصابات حدثت بين شهري إبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول.
وتكون الإصابة بهذا المرض بشكل أكبر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، ويوصف بأنه ذئب متنكر في ثوب حمل، كما ويصف بأنه المقلد العظيم؛ وذلك لأن أعراضه تشبه أمراضاً أخرى كثيرة، وبالتالي يجد الطبيب صعوبة في تشخيص هذه الإصابة. وينصح الباحثون بأهمية وضرورة تنظيف الأوراق والشجيرات؛ حيث يعيش القراد، مع فحص الحيوانات الأليفة، وفي حالة التواجد في مناطق الأحراش أو الأعشاب؛ يجب فحص الجسم.