د. نورة صابر المزروعي

حينما كانت بغدادعاصمة الخلافة الإسلامية، كانت مقصداً لعلماء الشرق والغرب، وقبلة تستقبل أصحاب الديانات الثلاثة، ومنارة للعلم، كثر فيها التأليف، والابتكار، وازدهرت الترجمة والتدوين للكثير من المعارف اليونانية، وانتشرت مجالس الأدب والثقافة والندوات، وانتعشت فنون الشعر، والخط، والموسيقى. وتزينت بغداد بمظاهر الأبّهة ما لم تعرفه مدينة من قبل، ووضعت قوانين وآداب عامة تسري على المقيمين، والزائرين، آداب للمشارب والموائد، وأخرى للنظافة واستخدامات أدوات الزينة.
نشأ أبو الحسن علي ابن نافع، الملقب ب«زرياب» في هذه البيئة التي أضافت إليه الكثير في ضروب الفنون وميادين المعرفة المتنوعة، وتأثر بثقافتها وأعلامها، فأصبح شاعراً وعازفاً مثقفاً، أتحف قصور خلفاء المسلمين بصوته الندي وعزفه البديع على آلة العود في العراق، وتونس، والأندلس، ولكنه لم يحالفه الحظ في أغلب حياته، فكان دائم الترحال بسبب حسّاده، إلى أن استقر في قرطبة، فحمل إلى الأندلس خبرات استفاد منها خلفاء بنى أمية، وواتته الفرصة لكي ينقل بعض من فنون «الإتيكيت» التي كانت سائدة في بغداد إلى قرطبة عاصمة الخلافة الإسلامية في الغرب.
كانت الأندلس مزيجاً من شعوب غير متجانسة، من بربر، وعرب، وقوط، كلّ له عادات، وطباع، وثقافات، وديانات متابينة، فاقترح الموسيقار زرياب على الخليفة عبد الرحمن بن الحكم اتباع بروتوكول عام في قصر الخليفة، على أن يعمم على الشعب، ووضع آداباً للمائدة، صنف فيها الوجبات بحيث يقدم الحساء أولاً، ثم الوجبة الرئيسية ثانياً، ثم الحلوى، والفاكهة. ونقل فكرة المناديل على مائدة الطعام المستخدمة في قصور خلفاء بنى العباس إلى قرطبة، وحدد أحجامها، وأغراض استخداماتها، وابتكر حلوى عرفت باسم «الزريابي» التي تغير اسمها مع الزمان لتصبح «زلابية»، وهي منتشرة في الكثير من الدول العربية، و ابتكر نكهات من الأزهار والسكريات المضافة للمشروبات، وابتدع أنواعاً من العطور والمنظفات بخلطات مبتكرة مع ماء الورد، والنباتات، والزهور، لأغراض الاستحمام والتزين.
وكان له الفضل في ابتكار أسلوب جديد لتصفيف الشعر، والحلاقة للرجال، وكانت هناك عشوائية في الملبس، لذا حدد أنواع وألوان الأقمشة الملائمة للفصول الأربعة، وسمى في الأندلس «بالمعلم الأول»، لذوقه الجمالي، وأصبحت تعاليمه أسلوب حياة لأطياف الشعب الأندلس، ما انعكس على السلوك الحضاري للمجتمع الأندلسي في فن المعاملات والتي أصبحت أحد أهم الأشياء التي انتقلت من إسبانيا إلى الدول الغربية، ولا تزال مستخدمة حتى يومنا هذا.

[email protected]