في البداية لا يمكن إلا أن نكون من المناصرين وبشدة للتقدم التقني واستخدام الذكاء الاصطناعي في شتى جوانب الحياة، وهذا تطور منطقي وطبيعي لتراكم المعارف البشرية، ولكل حقبة تاريخية أدواتها الثقافية والأدبية والعلمية، ولا يمكن بحال من الأحوال قياس الماضي بأدوات الحاضر أو العكس، لكن الأمر الذي يدعو للتوقف أمامه هو الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي لدرجة أننا وصلنا لـ«منطقة رمادية» بين الوهم والحقيقة في إنتاج المعرفة وتلقيها.
هذه المنطقة لا تعتبر مجرد إشكال تقني، بقدر ماهي إشكال ثقافي عميق يمس جوهر العلاقة بين الإنسان والمعرفة، حين يصبح النص شيئاً قابلاً للإنتاج بضغطة زر، والفكرة قابلة للتوليد دون أي معاناة بالتفكير، حتى الصور والفيديو ما يمكن لعقلك تخيله ينتجه لك الذكاء الاصطناعي بطرفة عين، هنا يجب أن ندرك أننا نخسر شيئاً مهماً هو «جهد الإنتاج»، ونخسر أيضاً روح التجربة الحقيقية الخلاقة التي تصنع المعنى، فالثقافة في روحها وشحمها ولحمها مسار طويل من التساؤل والشك والتجريب.
إن ما يحدث اليوم هو نوع من «تسطيح الخبرة»، إذ بات بإمكان أي شخص أن يبدو مثقفاً، دون أن يمر فعلياً بتجربة المعرفة، وهنا تتشكل لدينا ملامح إشكالية خطرة، كيف نميز بين الكتابة الحقيقية والكتابة المولدة نصوصها بالذكاء الاصطناعي؟ وكيف نميز بين التجربة الأصيلة والتجربة الذكية؟ وهل تتحول المعرفة من حالة تجربة ومعايشة إلى تجربة محاكاة تقنية؟
لعل ما نخشى عليه في قادم الأيام أن يعيد هذا الاعتماد المفرط تشكيل ذائقتنا الأدبية دون أن نشعر، فالنصوص الآلية خالية من العثرات البشرية، أي نعم قد تبدو مثالية، لكنها بلا روح، ونحن أمام جيل إذا ما اعتاد هذه النصوص، فسوف نفقد الكثير من جوهر تجربتنا الإنسانية في التفكير والإنتاج المعرفي، فنجد عقولاً تعجز عن تركيب فقرة من فكرة واحدة متماسكة، لذا يجب أن نعي مبكراً أثر التقنية في وعينا الجمالي والمعرفي.
لا يعني هذا الدعوة إلى رفض الذكاء الاصطناعي أو التقليل من شأنه، بل على العكس، نحن بحاجة إلى إعادة تعريف موقعه في حياتنا الثقافية، هل هو أداة مساعدة؟ أم بديل عن الفعل الإنساني؟
إن نصف الكأس الممتلئ واضح، يمنحنا سرعة وكفاءة وإمكانات هائلة، وهذا أمر لا خلاف عليه، لكن نصفها الفارغ يكمن في ما قد نفقده من عمق التجربة الإنسانية وفرادتها، وفي لحظاتنا المعلقة بين التأمل والشك، فلنفكر قليلاً في ما سيبقى لنا إذا تركنا للذكاء الاصطناعي كل شيء.
