القاهرة: «الخليج»

يطل عليك وجه الكاتب الروسي ألكسندر كوبرين (1870- 1938) من الصور هادئاً، بما يثبت أنه رجل قوي، واثق من نفسه، فقد كان بالفعل يتمتع بقوة بدنية خارقة، وكان بمنكبيه العريضين، وجسمه وعضلاته المفتولة، لا يشبه رجلاً مهنته الكتابة؛ بل يبدو أشبه بحداد، إلا أن عينيه الماكرتين كانتا توحيان بعيني كاتب، فمن نظرته تشع قوة الملاحظة.

إن الكتب كالبشر، لها أقدارها الخاصة، وكتب «كوبرين» قدر لها البقاء طويلاً، ليقرأها الكبار والصغار، فقد كتبها وهو يؤمن بأن الكتّاب ينبغي ألا يكتبوا عن انحطاط الأنفس، واستسلام البشر في صراعهم ضد الوضاعة؛ بل عن قدرتهم على استجماع قواهم؛ لمواجهة الشر الاجتماعي، وتضم مجموعته «سوار العقيق» عدداً قليلاً من أعماله، وتعد مدخلاً، يتيح للقرّاء الاطلاع على مؤلفاته.

«سوار العقيق» مجموعة تضم أربع قصص، وتعد «سوار العقيق» قصة حب حقيقية، كان كوبرين شاهداً عليها، وتتمحور حول حب عامل تلجراف بسيط، وقع في غرام أميرة، وبدأت الحكاية بإرسال العامل هدية للأميرة في عيد ميلادها، وهي عبارة عن سوار من الذهب، ورسالة مكتوبة بخط دقيق، مهنئاً لها ومتوسلاً ألا تغضب عليه؛ لأنها لا تعرفه شخصياً، إلا أنه يعرفها جيداً، منذ أكثر من ثماني سنوات، عندما رآها في مقصورة بالسيرك، فأصبحت الحياة بالنسبة له تنحصر فيها وحدها.

الغول الجديد

وتحدث في «الغول» التي صدرت عام 1896 عن الظلم الاجتماعي، فالغول في الأصل هو إله الحرب عند الفينيقيين القدماء، المتعطش للدماء؛ لكن الغول الجديد (الرأسمالية) في يقين كوبرين أكثر بشاعة من إله الحرب القديم؛ لذلك جعل الكاتب بطل روايته مثقفاً باحثاً عن الحقيقة، وهو مهندس يعمل في مصنع، أي أنه يعرف جيداً آلية استغلال الإنسان للإنسان، عالم قاسٍ، الشمس فيه مجرد قطعة نقود، وبالنقود يشتري كل شيء.

كان كوبرين في خريف 1901 قد انتقل إلى بطرسبرج، وبدأ ينشر قصصه في أغلب المجلات، وهي مأخوذة من واقع تجربته العسكرية، وأعطت قصته الطويلة «المبارزة» تفسيراً لأسباب الإخفاق الروسي في الحرب ضد اليابان، وهي شبه سيرة ذاتية، وبعد إخفاق ثورة 1905 انتقل بعض الكتّاب إلى المعسكر المضاد؛ لكن كوبرين بقي ملتزماً بالأفكار الديمقراطية والثورية، التي كانت تتجلى في أعماله، إما في قالب ساذج، وإما في قالب مشوه.

بعد عام صدرت له أول مجموعة قصصية، وفي تلك الفترة التقى مع جوركي، الذي دعاه للاشتراك في مجموعات «دار المعرفة للنشر» وكانت تلك الدار قد أصدرت أعمال كثير من الكتّاب الروس، وبعد صدور روايته «المبارزة» التي أهداها إلى جوركي، وكتب إليه: «إن كل ما هو جريء، وثائر، في روايتي، يعود لك، كم تعلمت منك لو تعلم، وكم أنا ممتن لك على ذلك» وازدادت شهرة كوبرين الأدبية في الفترة التي سبقت الثورة الروسية الأولى عام 1905 وحظيت مؤلفاته بتقدير كبير من النقاد الثوريين.

ابتعد كوبرين عن جوركي بعد هزيمة ثورة 1905، واقترب من الكتّاب الذين روجوا لنظرية «الفن للفن» واستقبل ثورة 1917 بتعاطف، لكنه كان يخشى من عفوية الحركة الشعبية، وراودته الشكوك في إمكانية أن يعمل كأديب في روسيا السوفيتية، فغادر البلاد، وفي الفترة من 1910 إلى 1937 عاش في باريس، ولم يكتب شيئاً سوى مقاطع من رواية «اليونكر» كانت تلك السنوات بالنسبة له، سنوات إدراك الخطأ والحنين إلى الوطن.

مقولات

يقول كوبرين: «إن الألم والحنين إلى الوطن لا ينقضيان ولا يحتملان والعمل من أجل روسيا لا يمكن أن يكون إلا هناك» وعاد إلى وطنه عام 1937 وقال: «إنني سعيد بأن أسمع أخيراً من حولي اللغة الروسية الحبيبة، في السنوات الأخيرة كنت أحس بشدة وأدرك جسامة ذنبي أمام الشعب الروسي، الذي يبني حياته الجديدة بروعة» كان يأمل في كتابة أعمال جديدة؛ لكن المرض ثم الموت لم يمهلاه.

ولد ألكسندر كوبرين في عام 1870 في مدينة إقليمية صغيرة، لأب يعمل موظفاً بسيطاً، وسرعان ما انتقلت الأسرة إلى موسكو بعد وفاة الأب، واضطرت الأم إلى إلحاق ابنها، وهو في السابعة من عمره، بمدرسة للأيتام، وبعد ثلاثة أعوام التحق بمدرسة عسكرية، وعندما كان عمره 18 عاماً نشر أول قصة قصيرة بعنوان: «البداية الأخيرة» وسجن عقاباً على نشره القصة؛ لأن طلاب المدارس العسكرية كانوا ممنوعين من الكتابة في الصحف والمجلات، وفي عام 1893 قطع صلته بالعسكرية، خصوصاً بعد أن فشل في الالتحاق بأكاديمية هيئة الأركان.

فقر وتشرد

انتقل كوبرين للإقامة في «كييف» من دون أن يكون في جيبه قرش، وبدأت سنوات البطالة والتشرد والعوز الشديد، يكتب في «سيرتي الذاتية»: «لقد وجدت نفسي في مدينة مجهولة لي تماماً، دون نقود، دون أهل، دون معارف، وكان أصعب شيء هو أنني كنت بلا معارف علمية أو حياتية» وبدأ يكتب القصص والأشعار، وينشرها في مختلف الصحف والمجلات، ثم عمل صحفياً، وكاتب حسابات، وناظر عزبة، وحمالاً، وممثلاً، إلى أن توفي في عام 1938.