ساهمت ثقافتنا العربية والإسلامية في النهوض بالثقافات العالمية على أبعادها المختلفة، وظهر من بين تلك الثقافات المفكرون والباحثون والمخترعون وصولًا إلى العصر الحديث، ويتوقف تأصيل أي فكرة على مفهومها؛ فإذا أردنا أن نؤصل لفكرة التعليم عن بعد، فلابد من الرجوع إلى مفهوم التعليم عن بعد والوقوف على أبعاده.
فإذا كانت الدراسات في هذا المجال اتفقت على أن أساس هذا المفهوم هو البُعد المكاني بين المعلم والمتعلم، فالتعليم عن بُعد له جذور وأصول في حضارتنا العربية والإسلامية؛ حيث استُخدم كوسيلة لتحفيظ القرآن الكريم عن طريق مدارس تحفيظ القرآن وحلقات الكتاتيب، حيث كان التلميذ أحياناً لا يرتبط بالشيخ إلا عند تسميع القرآن في نهاية حفظه.
كما أشار بعضهم إلى أن بدايات الفكرة ترتبط بالمراسلة عبر البريد؛ لذا فإن تاريخ التعليم في تراثنا العربي والإسلامي في التعليم عن بعد عهده سابق، حيث يزخر بكثير من نماذج المكاتبات العلمية بين المعلم (الشيخ) وتلميذه بين المدن والأمصار، ومن أبرز تلك النماذج المكاتبات العلمية بين الإمام مالك وتلامذته: كالليث بن سعد في مصر، وابن وهب في القيروان، علماً بأن الإمام مالك كان معلماً ثابتاً في المدينة فلم يرد عنه أنه خرج من المدينة إلا حاجاً إلى مكة، وأما تلامذته فكانوا في الأمصار يرسلون إليه أسئلتهم فيكتب إليهم من علمه، وكانت المراسلات فيما بينهم تتم عبر وسيلة البريد التقليدي الخاص بزمانهم ك(القوافل البريدية)، وهي قوافل مخصصة لنقل البريد بين المدن والأمصار حيث كان لكل سفر بريد يتولى قيادة المسافرين، كما أشار إليها صاحب كتاب (الطائر الغريد في وصف البريد)، وقد استخدم العرب للبريد الإبل ثم البغال وأخيراً الخيول؛ لأنها الأسرع في نقل البريد، وكان معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، هو أول من نظم البريد في الإسلام؛ حيث بلغ عدد محطات البريد 950 محطة، ووضعت بها الجياد القوية السريعة.
مما تقدم يتضح لنا أن التعليم عن بُعد في مفهومه التقليدي هو وسيلة تعليمية كانت تمارس في نشر التعليم في التاريخ الإسلامي، ومن هنا تأتي أهمية دور الباحثين والمختصين في بحث موضوع جذور التعليم عن بعد في ثقافتنا، وذلك من أجل تأصيل الفكرة في تراثنا، فهناك الكثير من الأفكار التي تطورت في الوقت المعاصر، هي في الأصل بذور ممتدة في تراثنا، ولكن الغرب بحثوا فيها وطوروها حتى أصبحث ثماراً يانعة في دراساتهم ومؤلفاتهم..
ومع مرور الوقت تعددت أشكال وأجيال التعليم عن بُعد، وظهر العديد من المصطلحات المختلفة للتعليم عن بعد، فهو يعرف بالتعليم بالمراسلة، والتعليم المفتوح، والتعليم الموزع، وهناك تعبيرات أخرى، كالدراسة المنزلية، والدراسة المستقلة، والدراسة من الخارج حتى وقتنا الحالي.
* مدير المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج بالشارقة