الشيخ المراغي.. العمامة تهزم جبروت الإنجليز وملكين

قامات إسلامية
03:30 صباحا
قراءة 5 دقائق
بقلم: محمد حماد

الشيخ مصطفى المراغي (1881 - 1945): عالم أزهري تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده، وتولى منصب قاضي القضاة في السودان، وشغل منصب شيخ الأزهر في الفترة من 1928 حتى استقالته في 1930، ثم تولى المشيخة مرة أخرى عام 1935 وحتى وفاته في ليلة 14 رمضان 1364 ه، الموافق 22 أغسطس/ آب 1945، وانصبت جهوده في التجديد على إصلاح القضاء، وعمل أثناء توليه مشيخة الأزهر بعزيمة قوية على الارتقاء بالأزهر ليتبوأ المكانة الجديرة به في تاريخ النهضة الإسلامية.
وظل المراغي يحلم بأن تكون مصر مركزاً للعالم الإسلامي، وهي فكرة لم يتنازل عنها مطلقاً، وإبان وجوده في السودان عام 1915 كتب مؤيداً لخلافة عربية بديلة للخلافة العثمانية، متأثراً في ذلك بنهج عبدالرحمن الكواكبي في كتابه «أم القرى».


قاضي قضاة السودان


هو محمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم المراغي، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي، وفاطمة الزهراء، بنت النبي، صلى الله وعليه وسلم، ولد ببلدة المراغة في محافظة سوهاج، وكان والده يتمتع بسمعة طيبة ومنزلة كريمة في الوسط الذي يعيش فيه، فدفع بابنه إلى حفظ القرآن الكريم، ولقنه نصيباً من المعارف الدينية، ثم أرسله إلى الأزهر ليكمل تعليمه، وهناك اتصل بالإمام محمد عبده، وتأثر به وتفتحت على يديه مواهبه العقلية، وفي عام 1904 تقدم المراغي لامتحان العالمية، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وهي سن مبكرة بالنسبة إلى علماء الأزهر، ودعاه الإمام محمد عبده إلى منزله تكريماً له، وظل وثيق الصلة بأستاذه متمسكاً بنهجه في التجديد والإصلاح، وفياً له في حياته، وبعد مماته.
طلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده اختيار قضاة السودان الشرعيين فرشح الشيخ مصطفى المراغي في مقدمة من اختارهم، والذي عين قاضياً لمديرية دنقلة، وبعدها نقل إلى الخرطوم، وظل فيها ثلاث سنوات، ثم عاد إلى القاهرة لخلافاته الدائمة مع الحاكم العسكري الإنجليزي هناك.
بعد عامين عاد إلى السودان مرة أخرى في منصب كبير القضاة، بعد أن تحقق شرطه لقبول المنصب بأن يكون تعيينه بمرسوم يصدر عن خديوي مصر، وليس من الإنجليز، واستجابت له الحكومة الإنجليزية، فصدر قرار تعيينه قاضياً لقضاة السودان.


رسالة أقلقت الإنجليز


حين قامت الثورة المصرية عام 1919 وخلفت ألفاً من القتلى، كتب المراغي رسالة بعنوان «اكتتاب لمنكوبي الثورة المصرية»، وطبع منها ألف نسخة وُزعت سراً على مسؤولي القطاعات الإدارية والعسكريين المصريين في السودان، حيث كان يعمل كبيراً للقضاة، ولاقت رسالته استجابة كبيرة من المصريين والسودانيين معاً، ما أقلق الإنجليز فقابله السير لي ستاك، ورئيس القضاء المدني مستر دن، وطلبا منه سحب رسالته فرفض، ولما وجّها إليه أمراً رد عليهما بغلظة، مؤكداً أنه ليس لأحد أن يأمره، أو يوجهه وأنهى المقابلة، وقد جمعت حملة اكتتابه لمصلحة ضحايا ثورة 1919 ستة آلاف جنيه مصري، واستطاع رغم معارضة المسؤولين الإنجليز أن يوصلها إلى مصر لتوزع على الجمعيات الخيرية الإسلامية، والقبطية، لتسليمها لمستحقيها.
وبعد عودته للقاهرة عمل مفتشاً في المحاكم الشرعية حتى وصل لمنصب رئيس المحكمة الشرعية العليا عام 1923، وفي مايو/ أيار عام 1928 تم تعيينه شيخاً للأزهر لكنه لم يلبث أن استقال في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1929 بسبب عجزه عن تحقيق مشروعه لإصلاح المؤسسة العريقة، وتجديد شبابها، بعدما رفض الملك فؤاد التوقيع على المشروع الذي قدمه لإصلاح الأزهر، ثم عاد مجدداً شيخاً للأزهر في إبريل/ نيسان عام 1935 واستمر في موقعه حتى وفاته.


إصلاح القوانين والأزهر


كان إصلاح القضاء هو الاهتمام الشاغل للإمام المراغي لتحقيق العدل والإصلاح بين الناس، وكان الإمام يرى أن إصلاح القوانين هو إصلاح لنصف القضاء؛ ولذلك شكّل لجنة برئاسته تكون مهمتها إعداد قانون يكون هو الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية في مصر، وقد وجّه الإمام المراغي أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد القانون بعدم التقيد بمذهب معين، حيث كان القضاة لا يحيدون عن مذهب الإمام أبي حنيفة، الذي كان معمولاً به في ذلك الوقت، إلى غيره من المذاهب، ولكن الإمام المراغي كان يرى ضرورة الأخذ بغيره من المذاهب إذا كان فيها ما يتفق مع المصلحة العامة للمجتمع، وكان مما قاله لأعضاء اللجنة: «ضعوا من المواد ما تبدو لكم أنها توافق الزمان والمكان، فالشريعة الإسلامية فيها من السماحة والتوسعة ما يجعلنا نجد في تفريعاتها وأحكامها في القضايا المدنية والجنائية كل ما يفيدنا وينفعنا في كل وقت».
وكان إصلاح الأزهر على رأس أولويات الشيخ المراغي، وظل يعمل على تغيير بنية الأزهر بإعادة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي إلى أحضانه، وتحسين مستوى تعليم وتدريب العلماء والانفتاح على العلوم، وتبني طرق التفكير الحديثة، وإدخال اللغات الأجنبية في مناهج تعليم الأزهريين وابتعاثهم إلى العالم الخارجي.
وشكّل فور توليه مشيخة الأزهر لجاناً لإعادة النظر في قوانين الأزهر، ومناهج الدراسة فيه. كما قدم قانوناً لإصلاح وضع الأزهر للملك فؤاد الذي كان مشرفاً على شؤون الأزهر آنذاك، إلا أن بعض حاشية الملك فؤاد أوعزوا له بأن الشيخ المراغي يريد استقلال الأزهر عن القصر، فرفض الملك فؤاد القانون، وأعاده إلى الشيخ المراغي، فما كان من الشيخ المراغي إلا أن وضع القانون الخاص بإصلاح الأزهر في ظرف، واستقالته من مشيخة الأزهر في ظرف آخر، وطلب من الملك فؤاد حرية الاختيار، فقبل الملك فؤاد الاستقالة، ولكن الإضرابات عن الدراسة والتظاهرات التي قام بها علماء وطلاب الأزهر، والتي استمرت أكثر من 14 شهراً أجبرت الملك فؤاد على إعادة المراغي شيخًا للأزهر مرة أخرى.


فتوى مستحيلة


مع مجيء الملك فاروق إلى الحكم عام 1936، تعاظم نفوذ المراغي الذي أصبح مرشداً له، وشهدت تلك الفترة صعوداً لحضور الأزهر ودوره في الحياة السياسية، والاجتماعية.
ومن المواقف التاريخية المشرفة للإمام المراغي رفضه الاستجابة لطلب الملك فاروق ملك مصر، والخاص بإصدار فتوى تحرم زواج الملكة فريدة، مطلقته، من أي شخص آخر بعد طلاقها، فرفض الشيخ المراغي، وأرسل الملك بعض حاشيته لكي يلحوا عليه لإصدار هذه الفتوى، فأصر على رفضه، ولما اشتد عليه المرض زاره الملك فاروق في المستشفى للاطمئنان عليه من ناحية، وللإلحاح عليه مرة أخرى لإصدار الفتوى الخاصة بتحريم زواج الملكة فريدة بعد طلاقها، فقال له الشيخ: «أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم بالزواج فلا أملكه»، وطال الجدال بين الشيخ والملك حتى قال الإمام عبارته الخالدة: «إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله».

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"