ربما لا يعرف كثيرون من جيل الشباب معنى كلمة «طنبر»، لأنهم نادراً ما يرونه، وإذا رأوه قد لا يعرفون ماذا يبيع؟ مؤخراً ظهر «الطنبر» في بيروت وجاب شوارعها.
«طنبر الكاز» هي عربة ذات دولابين أو أربعة دواليب يجرها حصان، ويوضع عليها خزان كبير للكاز «الكيروسين»، يتسع لأكثر من 1000 لتر، يطوف بها البائع في الشوارع والأزقة، وهو ينادي: كاز، كاز، لإعلام الناس بوصول العربة التي تبيع الكاز، وربما كان يحمل بوقاً يستعمله للغاية نفسها.
عُرف الطنبر في فلسطين منذ الخمسينات من القرن الماضي، واستخدم لبيع الكاز عند باب البيت. وهي خدمة كانت تعتبر في ذلك الوقت خدمة جيدة لإيصال الكاز إلى البيوت، بدلاً من ذهاب الناس إلى محطة الوقود لتعبئة «تنكة» أو«جلن» الكاز وحمله إلى البيت.
وكانت ربة البيت تأخذ حاجتها من هذه المادة، التي كانت تستعملها كوقود في البيوت لإشعال البابور «البريموس»، الذي كان يستخدم لطهي الطعام، وتسخين الماء للحمام والغسيل.
واستخدم «الكاز» وقوداً للإنارة في أسرجة ومصابيح وقناديل و«لوكسات» الكاز، وبعد انتشار استخدام البوتاجاز (الطبّاخ) ووقود الغاز في البيوت، غاب طنبر الكاز عن مسرح الحياة، وأحيل إلى التقاعد.
في الطريق، التقيته صدفة، فلم أتوان عن إيقافه، يقول محمد سعيد الخطيب «أبوحسين»، من مواليد عام 1955: «وعيت على المهنة بعد أن كان يمتهنها والدي وأعمامي وأجدادي، واستلمت «الطنبر» في سن الثانية عشرة لتوزيع مادة الكاز، كان والدي يملأ لي خزانه، فأجول به، مع المهنة عرفت أياماً حلوة وأخرى صعبة، حين كانت تنقطع هذه المادة أثناء الحرب الأهلية؛ حيث كنا نحضر الكاز. أما اليوم فبلغت من العمر 65 عاماً ولا أعرف مهنة سواها».
استخدامات متعددة
أضاف أبوحسين: «بيع الكاز خف عن السابق، والبيع لا يتعدى القناني، الصغيرة وأحياناً الكبيرة، وبسعر لا يتعدى 5 آلاف ليرة لبنانية، وتستعمل للمدارس، إذا كان هناك تفش للقمل، وأحياناً يستخدم في تنظيف المنازل، أو لمكافحة الحشرات والنمل، واليوم عاد استعمال قناديل الكاز بسبب انقطاع التيار الكهربائي. وبلغ سعر القنديل الواحد 100ألف ليرة».
ويوضح أبوحسين: «نستأجر «الطنبر» لقاء بدل أسبوعي لأن تكلفته عالية، فالحصان يحتاج لمربط وعلف «تبن، شعير، نخالة» وماء للشرب، نحن نعامله كالطفل، ونهتم به في الإسطبلات الخاصة في «أرض جلول» في بيروت، وبصراحة هذه المهنة لم تعد تطعم خبزاً، وهي بالكاد تكفي علف الحصان، خصوصاً بعدما طالها الغلاء، مدخولها يعتمد على الحظ، ولا يوجد شيء محدداً فيها. وأتمسك بها
لأنها مهنتي التي لا أعرف غيرها، وأزمة الكهرباء المتمادية في المدينة أعادتها من جديد. ولا يشترط الحصول على رخصة، لأننا لا نتعد الاثنين في المدينة، نقسم الكاز بيننا، بحصة 6 جالونات، وتأتينا أحياناً بطريقة معينة من السائقين العاملين في المطار، وإذا وُجد في المحطات نأخذ حاجتنا منها، أصبحت مهنتنا «أثرية»».