الزوج الافتراضي

02:12 صباحا
قراءة 3 دقائق
كتب: محمد ياسين

تحفل ساحات المحاكم وحياة الأطراف التي تلتقي فيها بقصص تعكس في جانب منها الصراعات القديمة المتجددة بين الخير والشر، بين الطمع والقناعة، بين نفوس ترتوي بظلم الآخرين وأخرى تنفق شهوراً، وربما العمر كاملاً، بحثاً عن حق. في تفاصيل هذه الصراعات تحاول العدالة ما استطاعت أن تكون صاحبة الكلمة العليا لتستقيم الدنيا، وفي ثنايا المواجهات بين الأطراف المتخاصمة تتدفق المفاجآت والعبر.
لم تتوقع الفتاة الخليجية (ف.م) أن فارس أحلامها الذي اختارته محتال اتخذ من الكذب والتضليل سبيلاً ليحصل على أموالها ومدخراتها. قصة الفتاة الثلاثينية التي تعمل موظفة في جهة حكومية بدأت بتعرفها إلى رجل في العقد الخامس من العمر عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بهدف الزواج وتكوين أسرة.
ووقع اختيار (ف.م) على رجل طلب التعارف يظهر من اسمه المدون في موقع التواصل أنه من بلدها - على غير الحقيقة - وعلى الفور قبلت الصداقة وبدأت الأحاديث بينهما وتبادلا أرقام الهواتف ومنها أرقام هواتف أشقائها ليتقدم لخطبتها، لكنه طلب منها الزوج الافتراضي وأن يتمهل في زيارة منزل أسرتها حتى يتم التعارف بينهما بشكل أكبر وتعرف عنه تفاصيل حياته وأسلوبه وعاداته، وعندما يتفقان على جميع الأمور يتواصل مع أسرتها وتتم الخطبة وبعدها الزواج.
أخذت الفتاة في الحديث مع الرجل لأيام وأشهر تبادلا خلالها أطراف الأحاديث عن مستقبل أسرتيهما وتفاصيل العيش والبيت والمنزل وغيرها من الأمور، وبدأت الفتاة في التعرف أكثر إلى أمور حياة الرجل بناء على كلامه وأحاديثه عن نفسه وأهله ومشاريعه التجارية الكبيرة ومكاسبه من التجارة ورحلته حتى الوصول إلى ما هو عليه من خلال اجتهاده، وعدم اعتماده على أسرته.
أصبح الزوج الافتراضي حقيقة ملموسة في ذهن الفتاة؛ وأصبح جزءاً من روتين حياتها اليومية من خلال الاتصال به بشكل دائم ومقابلته يومياً للغداء وشرب القهوة، ولا تخلو جميع المقابلات بين (ف.م) والرجل من الكلام المعسول من عريس المستقبل.
وفي إحدى المرات بدأ الرجل ينسج خيوط خطته الماكرة، لنيل ما يريد من وراء التعارف، فأخبر (ف.م) بأنه يمر بضائقة مالية بسبب توقف حركة الملاحة، نتيجة جائحة كورونا وتأخر صفقة كبيرة لملابس جاهزة استوردها من الصين، وأن مستقبله يتعرض للخطر، وأنه في وضع صعب وقد يتعرض للسجن بسبب شيكات مرتجعة لثمن فيلا اشتراها وبدأ يؤسسها، لتكون منزل الزوجية. اقتنعت الفتاة بتلك القصة الكاذبة، وبدأت تبحث عن حلول لنجدة زوج المستقبل من محنته، ولم يخطر ببالها للحظة أنه كاذب يخدعها، وفي اليوم التالي لتلك الأحاديث الكاذبة من زوج المستقبل بادرت بطلب قرض بضمان راتبها من أحد البنوك واستوفت الشروط وقدمت الأوراق والضمانات للبنك، وبالفعل تسلمت 250 ألف درهم، وعلى الفور حولت المبلغ كاملاً لحساب الرجل الذي لم يكتف بتلك الأموال التي تسلمها من الفتاة، بل بدأت طلباته وأطماعه في الحصول على أموال ومدخرات الفتاة تزداد، وكلما ساورها الشك في حديثه كانت تقطعه بتكذيب ما يخبرها به عقلها وتصدق قلبها.
مرت أشهر وأيام طويلة والفتاة تحلم بطلب الرجل زيارة منزل أسرتها، إلا أن ذلك لم يحدث، وفي أحد الأيام طلبت منه أن يتقدم لها لكون أزمته المالية انتهت، فأخذ يتحجج ويكذب، لكن خداعه هذه المرة أصبح مفضوحاً بالنسبة لها، حيث بدأت في السؤال عنه وعن عائلته في مقر عمله، وكانت المفاجأة الكبرى أنه من دولة عربية انتحل صفة خليجي من دولتها ووجدت أن اسمه يختلف عما أخبرها به، ويعمل موظفاً في إحدى الجهات فواجهته بمعرفتها بالحقيقة التي يخفيها، فلم يجد إلا تهديدها بإرسال محادثاتها وصور كانت قد أرسلتها له إلى أشقائها وأفراد أسرتها.
لم تقتنع الفتاة في بداية الأمر بأنها كانت تعيش في وهم كبير وخدعة نسجها هذا الرجل وكذبة حلمت بأن تكون حقيقة، لكنها بعد تماسكها قررت أن تتقدم ببلاغ لدى الجهات المختصة، فحققت مع الرجل الذي أنكر الاتهامات كافة وحاول المراوغة والكذب، وأفاد في تحقيقات النيابة بأن الأموال التي تسلمها من الفتاة كانت ثمن صفقة تجارية بينهما، إلا أن الجهة المختصة كشفت بعد فحص المراسلات بينهما أن الرجل كاذب منتحل شخصية خليجي، وقام بتهديدها عبر برنامج «واتس أب» وأنه استولى على أموالها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"