‬شبهات منكري‮ ‬حجية السنة والرد عليها

وما ينطق عن الهوى
02:15 صباحا
قراءة 4 دقائق

رغم عظم قيمة السنة النبوية المشرفة ودورها في‮ ‬التشريع الإسلامي‮ ‬بعد القرآن العظيم، فإن هناك فئة ضالة تريد هدم الدين وإنكار السنة المشرفة ويعلنون رفضهم للعلوم الإسلامية، الفقه، والحديث والتفسير، والسيرة، وعلم الكلام والتاريخ والتفاسير، وجميع ما ورد من علوم مرتبطة ‬بالسنة، ويروجون في‮ ‬سبيل ذلك عدداً من الشبهات حول حجية السنة، وقد تصدى وفند هذه الشبهات الكثير من العلماء والأئمة المخلصين لهذا الدين والمدافعين عن سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم‮.‬
‮يقول أحمد بن حجر آل بوطامي‮ ‬البنعلي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ «‬سبيل الجنة بالتمسك بالقرآن والسنة‮»: «إن أولى الشبهات التي‮ ‬أوردها منكرو‮ ‬حجية السنة قوله تعالى‮: (‬ما فرطنا في‮ ‬الكتاب من شيء‮)‬، وقوله تعالى‮: (‬ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء‮)‬، يدلان على أن الكتاب قد حوى ‬كل شيء من أمور الدين، وكل حكم من أحكامه، وأنه بينه وفصله بحيث لا‮ ‬يحتاج إلى شيء آخر كالسنة، وإلا كان الكتاب مفرطاً‮ ‬فيه، ولما كان تبياناً لكل شيء.
‮‬وثانيتها‮: ‬قوله تعالى‮: ‬«إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، يدل على أن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن دون السنة، ولو كانت دليلاً وحجة كالقرآن لتكفل بحفظها‮.‬
‮وثالثتها‮: ‬لو كانت السنة حجة لأمر النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم بكتابتها، ولعمل الصحابة والتابعون من بعده على جمعها وتدوينها لما في‮ ‬ذلك من صيانتها من العبث والتبديل والخطأ والنسيان، وفي‮ ‬صيانتها من ذلك وصولها للمسلمين مقطوعاً‮ ‬بصحتها، فإن ظني‮ ‬الثبوت لا‮ ‬يصح الاحتجاج به، وقد قال تعالى‮: ‬(ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقال‮: (‬إن يتبعون إلا الظن‮).‬
‮‬ورابعتها‮: ‬قد ورد عن النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم ما‮ ‬يدل على عدم حجية السنة من ذلك‮: ‬(إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم‮ ‬يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني‮ ‬يخالف القرآن فليس مني)‮.‬

حفظ القرآن

وقد رد الإمام الذهبي‮ ‬على تلك الشبهات في‮ ‬كتاب‮ «‬تذكرة الحافظ‮» ‬فقال‮: ‬إن القرآن الكريم قد حوى‮ ‬أصول الدين وقواعد الأحكام العامة، ونص على بعضها بصراحة، وترك بيان بعضها الآخر لرسوله صلى الله عليه وسلم، وما دام الله تعالى قد أرسل رسوله ليبين للناس أحكام دينهم، وأوجب عليهم اتباعه، كان بيانه للقرآن بالسنة، ومن هنا كانت أحكام الشريعة من كتاب وسنة وما‮ ‬يلحق بهما ويتفرع عنهما من إجماع وقياس أحكاماً‮ ‬من كتاب الله‮ «‬عز وجل‮» ‬إما نصاً وإما دلالة، فلا منافاة بين حجية السنة وبين أن القرآن جاء تبياناً‮ ‬لكل شيء‮.‬
‮ ‬إن ما وعد الله من حفظ الذكر لا‮ ‬يقتصر على القرآن الكريم وحده، بل المراد به شرع الله ودينه الذي‮ ‬بعث به رسوله، وهو أعم من أن‮ ‬يكون قرآناً أو سنة، ويدل على ذلك قول الله تعالى‮: «‬فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون»‬، أي‮ ‬أهل العلم بدين الله وشريعته، ولا شك أن الله تعالى كما حفظ كتابه حفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد هيأ لها من أئمة العلم من‮ ‬يحفظونها ويتناقلونها ويتدارسونها ويميزون صحيحها من دخيلها، وقد أفنوا في‮ ‬ذلك أعمارهم، وبذلوا الجهود الكثيرة الجبارة، وبذلك أصبحت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم مدرسة محفوظة مدونة في‮ ‬مصادرها لم‮ ‬يذهب منها شيء‮.‬
‮ ‬وقد نص العلماء وفي‮ ‬مقدمتهم الشافعي‮ «‬رحمه الله‮» ‬على أن السنن موجودة عند عامة أهل العلم، وإن كان بعضهم أجمع من بعض، ولكن إذا جمع علمهم أتي‮ ‬عليها كلها، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجوداً عند‮ ‬غيره، ولا شك أننا نقطع بهذه النتيجة فنحن لا نشك في‮ ‬أنه لم‮ ‬يضع من سنة رسول الله في‮ ‬الصلاة والزكاة والحج والصيام والمعاملات والفرائض شيء قطعاً، وأن كل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قاله مجموع مدون وإن اختلفت طرقه وتباينت مراتبه‮.‬

كتابة الحديث

‮إن عدم أمر النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم بكتابتها ونهيه عن ذلك كما ورد في‮ ‬بعض الأحاديث الصحيحة لا‮ ‬يدل على عدم حجيتها، بل لأن المصلحة حينئذ كانت تقضي‮ ‬بتضافر كتاب الصحابة نظراً‮ ‬لقلتهم‮ في كتابة القرآن وتدوينه خشية من الضياع واختلاط شيء به، وقد تحقق ما ورد من النهي، ولكنه كان عن كتابة الحديث وتدوينه رسمياً‮ ‬كالقرآن، أما أن‮ ‬يكتب الكاتب لنفسه، فقد ثبت وقوعه في‮ ‬عهد الرسول صلى الله عليه وسلم‮.‬
‮‬ويوضح الإمام ابن عساكر في‮ ‬كتاب‮ «‬جامع بيان العلم»، أن الحجية ليست مقصورة على الكتابة، فإن الحجية تثبت بأشياء كثيرة، منها‮: ‬المتواتر ومنها نقل العدول الثقات ومنها الكتابة، والقرآن نفسه لم‮ ‬يكن جمعه في‮ ‬عهد أبي‮ ‬بكر بناء على الرقاع المكتوبة فحسب، بل لم‮ ‬يكتفوا بالكتابة حتى تواتر حفظ الصحابة لكل آية منه، وليس النقل عن طريق الحفظ بأقل صحة وضبطاً‮ ‬من الكتابة، خصوصاً‮ ‬من قوم كالعرب عرفوا بقوة الحافظة، وأتوا من ذلك بالعجائب، فقد كان الرجل منهم‮ ‬يحفظ القصيدة كلها من مرة واحدة، ومنهم من‮ ‬يحفظ ما‮ ‬يلقى من الحديث في‮ ‬المجلس الواحد.
ومثل ذلك‮ ‬يؤثر عن الشافعي‮ ‬وغيره، فاعتمادهم على ذاكرتهم كان أساساً‮ ‬لما‮ ‬ينقلونه من حديث رسول الله ويتدارسونه‮.‬

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"