الشارقة: علاء الدين محمود
أصبحت لغلاف العمل السردي دلالات متعددة موضوعية وجمالية ذات علاقة بالمحتوى، فإلى جانب كونه مدخلاً للقارئ يُعطيه فكرة أولية عن العمل، فهو كذلك حالة إبداعية وجمالية قائمة بذاتها؛ أي هو في بعض الأحيان يعتبر نصاً موازياً. وقد صارت للغلاف فلسفة في وضعه واختياره، نسبة لأهميته الكبرى في بناء الرواية، وأصبح يجد اهتماماً خاصاً من قبل الكتاب، فهم في بعض الأحيان يشاركون في تصميمه، وهذا يشير إلى أهمية أن تكون للمؤلف معرفة أو خلفية أو ذائقة بصرية تعينه على اختيار شكل ولون الغلاف المعبر عن أحداث وتفاصيل السرد، ولكن في أحيان أخرى، فإن دور النشر منفردة هي التي تصنع الغلاف؛ بل وتحمله بعناوين ومفردات وإشارات خاصة تفيدها في تسويقه، مثل توضيح عدد الطبعات، وما إذا كانت الرواية المعنية قد حازت جوائز؛ بل إن بعض دور النشر تضع عبارات على الغلاف لا علاقة لها بالنص بقدر ما تستهدف بها التوزيع والانتشار، وهذه مسألة وجدت لغطاً كبيراً.
«الخليج» طرحت سؤال «غلاف الرواية» على عدد من الكتاب والناشرين.
عصر الاستهلاك
يؤكد الروائي الإماراتي علي أبو الريش، أهمية الغلاف في الأعمال الروائية، حيث يجب على المؤلف أن يوليه عناية خاصة، ويسهم في وضعه بصورة تراعي الإبداع والجمال. فالغلاف سواء كان رمزياً أو مباشراً في دلالاته، لابد أن يعبر عن المضمون، وهذا الأمر يعتمد على عنصرين هما: المؤلف والفنان. ويجب أن تكون لدى الكاتب وجهة نظر في وضع الغلاف، وأن يكون الرسام أو مصمم الغلاف محيطاً بموضوع النص السردي، ومن المهم جداً أن يكون هناك تناغم بين الرسم والموضوع، ولكن للأسف، فإن بعض الفنانين لا يطلعون بصورة كافية على الرواية؛ بل يكتفون بموجز عنها، وهذا أمر غير كافٍ، ولا يعين في وضع غلاف ينتمي للنص، فليس المهم هو الزخرفة أو الصور الخالية من المعنى؛ بل في تعبير الغلاف عما يدور في الرواية من أحداث وتفاصيل، وهذا يتطلب حساً في التقاط تلك التفاصيل، ومن وجهة نظر أبو الريش لن يتأتى إلا من خلال الاطلاع الجيد على الرواية.
وأوضح أبو الريش أن الرسام واضع الغلاف، مشارك أصيل في النص الإبداعي إنْ هو تمكن بالفعل من تصميم نموذج لغلاف يعبر عن قراءته وتأويله للرواية.
ولفت أبو الريش إلى روح العصر الحديث التي تتسم بالسرعة وسيادة نمط الاستهلاك، وهو الأمر الذي طغى على كل شيء حتى في التعامل مع الثقافة والأعمال الإبداعية التي صارت تخضع لمنطق التجارة والربح والسوق، على الرغم من أنه من المفترض أن تكون للعمل الإبداعي خصوصيته الفنية والجمالية التي لا تخضع للمنطق التجاري، والملاحظ أن كثيراً من أغلفة الروايات توضع وتصمم من قبل دور النشر بصورة تنتمي فعلياً إلى ثقافة الاستهلاك والربح.
ذائقة جمالية
وأكد الروائي جمال مطر أنه يسهم شخصياً في اختيار غلاف أعماله الأدبية، فأحياناً يقوم المصمم الفنان بتقديم أكثر من نموذج للكاتب، بعد أن يطلع على العمل. وفي رأيه لابد أن يأتي العنوان معبراً عن روح القصة وأجوائها، لكن بشكل عام لابد للكاتب من أن يتدخل في عملية الاختيار، فالغلاف هو بوابة العمل السردي، ويقدم للقارئ ملمحاً عاماً عنه، وبالتالي يحفزه على اقتناء الرواية. والكاتب هنا، كما يؤكد مطر، يجب أن يتمتع بنوع من الذائقة الفنية واللونية، فعملية الاختيار تشير إلى ذوقه الجمالي، وكذلك بالنسبة للفنان، حيث يجب أن يكون قارئاً وقادراً على استخراج فكرة الغلاف من قلب النص نفسه، فهذه عملية تشاركية بين الفنان والمؤلف.
ولفت مطر إلى أن بعض دور النشر تحمل فعلياً، أغلفة الكتب ببعض المضامين التي تبتغي عبرها لفت انتباه القارئ، مثل التركيز على ذكر عدد الطبعات، وهي أشياء تتم أحياناً بصورة احتيالية، ولا تعبر عن مضمون الرواية، وهذا أمر شبيه بوضع «النكهات» من أجل عملية الشراء والربح، ولابد أن يكون للمؤلف موقف من كل ما يضاف على غلاف عمله الإبداعي.
غلاف خادع
أما الكاتبة وفاء سلطان العميمي، فتحدثت عن تجربتها مع تصميم الغلاف من خلال روايتها الأخيرة «الأمير والفهيم»، وأوضحت أنها هي من قامت باختياره وهو عبارة عن صورة لأحد الأبراج التراثية في «فلج المعلا» بإمارة أم القوين، والتي هي موضوع الرواية، والفنان الذي نفذ تصميم الغلاف قام بالاطلاع على الرواية وأحداثها، فالغلاف بحسب العميمي يجب أن يعكس شيئاً بارزاً في العمل، فهو يعكس العوالم والفضاءات داخل النص الروائي.
وذكرت العميمي أن الأغلفة في بعض الأحيان تكون خادعة، ولا تنتمي إلى روح العمل السردي، فأحياناً يقوم القارئ بشراء رواية ما تبعاً لغلافها الجميل، أو الذي يحمل بعض الإشارات والجمل الجاذبة، لكنه يصاب بخيبة أمل، نظراً لأن تلك الأشياء البراقة لا تعبر عن حقيقة ما قرأه، وهذا الأمر يشير إلى أن الأعمال الروائية يتم التعامل معها في بعض الأحيان بنوع من التفكير التجاري من قبل دور النشر، التي تريد أن تروج للعمل بأية صورة، فتقوم بإقحام أشياء على شكل الغلاف لا علاقة للنص بها.
علاقة متذبذبة
من جانبها، بدت الدكتورة مريم حسن الشناصي، صاحبة دار «الياسمين» للنشر، غير مرتاحة لطبيعة العلاقة السائدة بين الناشر والمؤلف، وذكرت أن معظم الكتاب يتدخلون بصورة مباشرة في تصميم الغلاف، وفي وضع العنوان؛ بل وحتى في مناطق توزيع الكتاب، وهذا الأمر يعبر عن تجاهل لفطنة الناشر. فكثير من المؤلفين يقومون باختيار رسومات الغلاف، أو يتفقون مع فنانين لتنفيذ تصاميم تعبر عن وجهة نظرهم فقط. وأحياناً، فإن بعض الكتاب يعبرون عن عدم رضاهم، حتى عندما يتم تنفيذ رؤيتهم في الغلاف، وهذا يشير إلى علاقة متذبذبة ومتوترة بين الكاتب ودور النشر.
وشددت الشناصي على أن لدار النشر حقاً ودوراً في وضع الغلاف والعنوان من خلال الاطلاع على الموضوع، فدور الكاتب ينتهي بكتابة العمل، لتأتي بعدها مهمة دور الناشر، وهذا يشبه كثيراً ما يجري في الصحف، فالمحرر تنتهي مهمته بكتابة المادة، بينما تتولى جهة أخرى مهمة وضع العنوان كرئيس التحرير، وكذلك العلاقة بين المخرج والممثل، فهناك أشياء هي من صميم اختصاص المخرج.
وذكرت الشناصي أن دور النشر تقوم بالاطلاع على العمل الإبداعي، وبالتالي فهي تسعى إلى صنع غلاف يوجه نحو الفئة المستهدفة، فهي لا تعمل على تسليع الثقافة، كما يشاع، بقدر ما يهمها الترويج للكتاب من خلال الخبرة المتراكمة لديها، وهي عملية تصب كذلك في مصلحة الكاتب، فعندما تقوم دور النشر بوضع شعارات في الغلاف، أو كتابة جمل تحدد عدد الطبعات، أو تبين أن هذا الكتاب على سبيل المثال، هو الأكثر مبيعاً، فهي تستهدف الجمهور ونجاح الكتاب، وهذه الأشياء لا توضع بصورة مبالغاً فيها على الغلاف.
وأكدت الشناصي ضرورة أن تنشأ علاقة مشتركة بين الكاتب ودور النشر في عملية وضع الغلاف من أجل صنع هوية للعمل.
المصمم شريك أصيل في اختياره
غلاف الرواية.. عتبة نصية وجمالية
23 أكتوبر 2020 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 أكتوبر 00:24 2020
شارك