فريدريك كيمبي *

ظل موظفو صندوق النقد الدولي يمزحون فيما بينهم لسنوات، حول موعد بدء العمل باللوائح الداخلية للصندوق، ما يتطلب منهم الانتقال من واشنطن، إلى بكين. وكتبت هذه اللوائح في الوقت الذي لم يكن هناك منافس لريادة الولايات المتحدة الاقتصادية، حيث تتطلب هذه اللوائح أن يكون المقر الرئيسي للصندوق في أكبر اقتصاد في العالم. لكنهم لم يعودوا يضحكون. 

 وتكمن القضية الأساسية لاجتماعات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، التي عقدت مؤخراً افتراضياً من واشنطن، في أن الرأسمالية الديمقراطية تعاني نكسات جديدة وخطيرة، وأن الرأسمالية الأوتوقراطية تتمتع بمكاسب جديدة نتيجة لهذا العام المضطرب بسبب جائحة «كورونا»، التي ستؤدي إلى تراجع الاقتصاد العالمي بنسبة 4.4% هذا العام، وخسائر في الناتج المحلي الإجمالي العالمي تصل إلى 11 تريليون دولار في العام المقبل. 

 إن الصين التي نشأ منها الفيروس، ستكون الاقتصاد الرئيسي الوحيد الذي يحقق نمواً هذا العام، إذ توقع صندوق النقد الدولي تحقيق الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم نمواً قدره 1.9% في عام 2020، بينما سيتقلص اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 4.3%، وأوروبا بنسبة 7.2%.

 وتظهر أرقام المديونية العالمية الجديدة لصندوق النقد الدولي، أن الدين العام الأمريكي سيصل إلى 130% من إجمالي الناتج المحلي بسبب الأزمة، وهذا هو أعلى مستوى للمديونية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، عندما كانت البلاد تموّل عمليات عسكرية ضخمة. 

وقد أدت النزاعات التجارية مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين إلى تقويض التضامن بين الديمقراطيات العالمية عندما كانت هناك حاجة ماسّة إليه.

ومن المؤكد أن حصة التصويت الحالية في صندوق النقد الدولي لا تزال تفضل الولايات المتحدة بنسبة 3 إلى واحد تقريباً، وتنص اللوائح الداخلية على أن المكتب الرئيسي للصندوق يجب أن يقع في إقليم العضو الذي لديه أكبر حصة من الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، قالت المديرة السابقة لصندوق النقد، كريستين لاجارد في عام 2017، إن المقر الرئيسي للصندوق يمكن أن يتغير في غضون عقد من الزمن. إلا أن الأحداث الجارية قد تسرع هذا الخط الزمني. 

 ويكمن السؤال الأكثر أهمية من موقع صندوق النقد الدولي هو: ما هي الدولة أو مجموعة البلدان التي ستكتب القواعد المالية والنقدية لعصرنا المقبل؟ هل ستحمي الديمقراطيات التي حشدتها الولايات المتحدة نهجها الرأسمالي، الذي بقي صاعداً لأكثر من 75 عاماً؟ أم أن المستقبل ستشكله الصين ورأسماليتها التي يقول قادتها إنها اثبتت مرونتها وكفاءتها خلال الأزمة الحالية؟ 

 في خطاب لها مؤخراً، وصفت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، ما يشهده العالم الآن ب«لحظة بريتون وودز جديدة»، وهو المؤتمر الذي عقد في عام 1944 وتمخض عنه إنشاء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، لغرض مزدوج، وهو الدمار الكبير الذي سببته الحرب العالمية الثانية، وإرساء الأساس لعالم أكثر سلاماً وازدهاراً. 

وقد وضع مؤتمر بريتون وودز القواعد والأدوات اللازمة لتوسيع واستدامة الرأسمالية الديمقراطية، والتي انتصرت في النهاية على الاقتصادات ذات النمط السوفييتي الخاضع للسيطرة المركزية.

وفي ظل صخب الأيام الأخيرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية، سيكون من السهل إهمال التحديات التاريخية للرأسمالية الديمقراطية. وقلة قليلة من الأمريكيين سمعوا، أو قرأوا خطاب جورجييفا الأخير، حيث ركزوا انتباههم على المشاحنات الانتخابية بين الرئيس ترامب، ونائب الرئيس السابق جو بايدن. 

 وبغض النظر عمن سيفوز بانتخابات الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني، سيكون الرئيس الجديد مثقلاً بمهمة وقف الانحدار في مشاعر الثقة العامة تجاه الرأسمالية الديمقراطية.

* الرئيس والمدير التنفيذي للمجلس الأطلسي (سي إن بي سي)