د. محمد فراج أبو النور *
تشهد جهود التسوية الليبية تفاوتاً لافتاً للنظر، وتائر تطورها بين المسارين السياسي والعسكري من ناحية، وبين مختلف جوانب ومكونات كل من المسارين من جانب آخر. فاللجنة العسكرية (5+5) تتوالى اجتماعاتها، فقد تم اجتماع سرت، واللجان الفرعية المنبثقة عن اللجنة العسكرية العامة، والقائمة على تنفيذ جوانب مختلفة من الاتفاقات، خاصة تلك المتعلقة بالأشراف على انسحاب القوات من خطوط التماس، (سرت – الجفرة.. تحديداً) وفتح الطرق الرئيسية، وإعادة هيكلة حرس المنشآت النفطية.. بينما يتخلف عمل اللجان الخاصة بتجميع المرتزقة الأجانب، تمهيداً لإخراجهم من البلاد، وكذلك تصنيف الميليشيات المسلحة (ما بين إرهابية وغيرها)، تمهيداً لتفكيكها، وما يرتبط بذلك كله من خطوات.
بالنسبة إلى المسار السياسي، فقد انتهت اجتماعات (ملتقي الحوار السياسي الليبي) في تونس (9 -15 نوفمبر) من دون التوصل إلى اتفاق حول أهم القضايا والموضوعات التي كان مقرراً أن يحسمها الحوار.. ونعني تحديد أسماء رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه، (السلطة السيادية العليا في البلاد)، ورئيس الحكومة، وشاغلي عدد من الوظائف السيادية الأكثر أهمية، بمن فيهم محافظ البنك المركزي، ورئيس مؤسسة النفط الوطنية، ورئيس ديوان المحاسبة.
وبرغم الإعلان عن تحديد (خريطة طريق) لإجراء الانتخابات العامة، وتحديد موعدها في (24 ديسمبر) من العام المقبل، فإنه لم يتم الاتفاق على القاعدة الدستورية الضرورية لإجراء هذه الانتخابات.. وهل تكون إعلاناً دستورياً من عدة مواد محدودة.. أم دستوراً متكاملاً.. أم مجرد قانون للانتخابات؟ ومعروف أن فريق «الوفاق» لديه مشروع دستوري يقترح الاستفتاء عليه في فبراير/ شباط المقبل (2021)، لكن الطرف الآخر (الشرق) يطالب بإجراء تعديلات جوهرية على المشروع وهو ما ترفضه جماعة «الوفاق»، وبالتالي فإن الحديث عن الاستفتاء يصبح لا محل له، خاصة أن من المشكوك فيه أن تكون الظروف الأمنية قد تهيأت لإجراء استفتاء على الدستور – بغرض الاتفاق حوله – وهو شرط لا يمكن تجاهله.. تماماً كما أنه لا يمكن إجراء انتخابات صحيحة ونزيهة من دون توافر ظروف أمنية مستقرة.
من ناحية أخرى، فقد قرر (ملتقى الحوار) التخلي عن مبدأ كان متفقاً عليه قبل انعقاد اجتماعاته.. نعني استبعاد كل من تولي منصباً قيادياً، منذ عام 2014، من تولي المسؤوليات في هيئات السلطة الجديدة المزمع تشكيلها.. ومعروف أن أبرز الأسماء المرشحة لتولي رئاسة المجلس الرئاسي هو المستشار عقيلة صالح، رئيس البرلمان الوطني في الشرق.. وأبرز المرشحين لتولي رئاسة حكومة (الوحدة الوطنية) هو فتحي باشاغا وزير الداخلية في حكومة «الوفاق».. وبالتالي كان لابد من التخلي عن الشرط المشار إليه.
كما برزت قضية خلاف جوهري أخرى تتصل بالتصويت على إسناد المناصب السيادية السابق ذكرها.. فجماعة «الإخوان المسلمين» وحلفاؤها، يريدون أن يكون التصويت على كل مسؤول بمشاركة الأعضاء ال(75) في الملتقى.. ومعروف أن السيدة ويليامز مبعوثة الأمم المتحدة (بالإنابة)، قد أعطت «الإخوان» وحلفاءهم أغلبية في عضوية (الملتقى).. ومعروف كذلك أن الاتفاق قد تم في (بوزنيقة/ المغرب) على توزيع إقليمي للمناصب، بحيث يتولى مرشح من إقليم برقة (بني غازي/ الشرق) منصب رئيس المجلس الرئاسي.. ولكن في حالة وجود أغلبية (أو كتلة كبرى) من طرابلس (الإخوان وحلفاؤهم) فإن الملتقى يمكن أن يصوت بغير ذلك.. أو يختار ممثلي «الإخوان» لمناصب لا تحق (للغرب).. الأمر الذي يهدد بنسف أي اتفاق.. ولهذا يصر ممثلو (الشرق) على أن يختار كل إقليم مرشحه للمنصب المحدد، ويوافق عليه بقية الأعضاء (ال75) تلقائياً.. ولا تزال هذه المشكلة من دون حل حتى الآن بسبب مماحكات جماعة «الوفاق».
وهكذا انتهت اجتماعات (ملتقى الحوار) من دون اتفاق على أغلب القضايا الأساسية، واضطرت ويليامز للدعوة لاستئناف المشاورات عبر الإنترنت، خلال أسبوع.. وأشارت التفاسير إلى اعتزامها استئناف الاجتماعات في منتصف ديسمبر/ كانون الأول المقبل، في مدينة سرت.
محاولات لنسف التسوية
يلاحظ المتابع لمواقف حكومة «الوفاق» أنها تحصل على مكاسب كبيرة في المفاوضات مع الجيش الوطني، وبرلمان وحكومة (الشرق).. ثم يبدأ «الإخوان» وحلفاؤهم – بمن فيهم الميليشيات الإرهابية – بالتنكر للاتفاقات، والتملص من الالتزامات المترتبة عليها.
فبالرغم من أن (اتفاق جنيف) – (23 أكتوبر) – تضمن تنازلات كبيرة عن أوراق تفاوضية أساسية (للشرق)، في مقدمتها سحب القوات من خط (سرت – الجفرة) الاستراتيجي، وفتح الطرق الأكثر أهمية في البلاد.. ولم يأت على ذكر قوات الاحتلال التركي وقواعدها (وهذا أخطر تنازل تم تحت ضغط أمريكي شديد).. فإن حكومة «الوفاق» رفضت حتى الالتزام «بتجميد» العمل باتفاقية التدريب التركي لقواتها (حسب نص الاتفاق).. بل وعقدت اتفاقاً جديداً مع قطر لتدريب قواتها.
وفي ظل الضغوط العنيفة على (الشرق) للتخلي عن أهم أوراقه التفاوضية (النفط، وخط سرت – الجفرة، وفتح الطرق والمطارات..) مع إصرار «الوفاق» على رفض تناول المفاوضات للاحتلال التركي وقواعده، ينشأ وضع يمتلك فيه الغزو التركي وقواته صفة (الأمر الواقع) الذي يتعين على أي حكومة (وحدة وطنية) قادمة أن تتعامل معه. الأمر الذي يمثل انتهاكاً بالغ الخطورة للأمن القومي، وإفراغا للسيادة الوطنية من أي مضمون..
غير أنه لم يقف عند هذا – على خطورته البالغة – بل امتد إلى الإعلان عن زيادة مرتقبة لأردوغان إلى طرابلس خلال أيام.. وجاء هذا الإعلان أثناء مشاورات واجتماعات (ملتقي الحوار) ليمثل استفزازاً مهيناً للشعب الليبي.
عقد إذعان
كما جرى الإعلان خلال الأيام القليلة الماضية (وأيضاً خلال اجتماعات الحوار) عن الاستعداد لعقد اتفاقات بين «الوفاق»، وأنقرة، تتيح لتركيا السيطرة على قطاعي الطاقة والإنشاءات، والتعاقد مع شركات أمنية تركية لإقامة أنظمة إلكترونية للسيطرة على المطارات والمنشآت الحيوية في البلاد.. والتعاقد مع شركة يملكها صهر أردوغان لتطوير مطار (مصراتة)، بحيث يمكن استخدامه كقاعدة عسكرية جوية.
وفي ضوء هذا كله يتضح أن التسوية التي ترعاها المبعوثة الأممية (بالنيابة) السيدة ويليامز، هي أقرب إلى (عقد إذعان) يضفي الشرعية على الاحتلال التركي، حتى إن تولى عقيلة صالح رئاسة المجلس الرئاسي.. والسيناريو الثاني – الذي لا يقل سوءاً – هو أن تستمر المماطلة طويلاً، ولا يتم تشكيل هيئات جديدة للسلطة، ويبقي الحال على ما هو عليه.. الأمر الذي يمكن أن يمهد لسيناريو ثالث أسوأ هو استغلال «الوفاق» وتركيا الفراغ الأمني الناشئ لتحقيق مكاسب عسكرية جديدة.
ويبدو إبطاء تنفيذ الاتفاقات العسكرية والربط بين المسارين العسكري والسياسي هو الإمكانية الوحيدة لوقف نزيف الخسائر، والحفاظ على ما تبقى من الأوراق التفاوضية، والحصول على تسوية معقولة
* كاتب مصري