الشارقة: علاء الدين محمود

جدل العامية والفصحى في الأدب استمر كثيراً، وأفرز معسكرين متقابلين يدافع كل واحد منهما عن وجهة نظره ويحاول أن ينتصر لها، ويرى أنصار الفصحى أن اللهجة العامية تسيء إلى العربية، وتضع الأدب في مأزق، وتدمر العلاقة بين الكاتب والمتلقي، فيما يرى الذين ينحازون إلى توظيف العامية في السرد، أن هنالك عوامل موضوعية تقتضي استخدام اللهجات المحلية في كل منطقة، فهي تنتمي إلى بيئة الحدث، وتعتبر لغة النقاشات والحوارات اليومية في الواقع الاجتماعي، فيما يرى بعض النقاد أن الرهان دائماً يكون على الإجادة، حيث إن كثيراً من الأعمال التي كتبت بالعامية جاءت وهي تحمل الجمال وتوفر المتعة، ويرى آخرون أنه بالإمكان الجميع بين اللغتين في السرد، وهذا ما فعله كبار الأدباء في العالم العربي أمثال: نجيب محفوظ، والطيب صالح، وتوفيق الحكيم وغيرهم.

«الخليج» وضعت سؤال اللغة العامية في الأعمال السردية، أمام عدد من الكتاب للحديث بصورة أشمل عن ميزات العامية والفصحى في الأدب.

 الروائية وفاء سلطان العميمي، ترى أن توظيف اللغة داخل النص، مرتبط بالكثير من العوامل الموضوعية، بحيث إنها تمثل رغبة الكاتب وتعبر عن وجهة نظر خاصة به، وتؤكد العميمي أنها تفضل بصورة أساسية أن يكتب الروائي نصه باللغة العربية الفصحى؛ إذ إن هذا الأمر يمنح عمله انتشاراً أكبر، فاللهجات العامية تختلف من بلد إلى آخر داخل الوطن العربي، بالتالي فإن الكتابة بالفصحى تصبح مفهومة لدى الجميع، ولكن لابد أن يراعي أي كاتب توظيفه للغة فصيحة مفهومة بحيث لا يستخدم الألفاظ الغريبة والصعبة على الفهم.

 مفردات ودلالات

وأوضحت العميمي، أن تفضيلها للغة العربية الفصحى، لا يعني أن لديها موقفاً مسبقاً من توظيف العامية، فهنالك جماليات كثيرة في اللهجات المحلية، وهنالك مفردات في العامية ذات أصل فصيح، بالتالي فثمة مجموعات قصصية وروايات كتبت بلغة عامية راقية وكانت جميلة جداً، وجعلت الناس يكتشفون جماليات المفردات والألفاظ في هذه اللهجات، وهنالك كتّاب إماراتيون برعوا في ذلك الأمر مثل: آمنة المنصوري، في روايتها البديعة «عيناك يا حمدة»، فقد كشفت عن ألفاظ جميلة في العامية الإماراتية وذات دلالات واضحة، وقد منحت الرواية بعداً مختلفاً.

وذكرت العميمي، أنها قد أدخلت بعض الكلمات من اللهجة الإماراتية المحلية في روايتها «الأمير والفهيم» ضمن الحوار، وهي مفردات عامية ذات أصل فصيح، حيث اعتادت الكاتبة أن تعود بصورة مستمرة إلى قواميس اللغة العربية الفصحى للبحث عن أصل الكلمات والمفردات العامية، فالكتابة الروائية اليوم صارت تعتمد بصورة أساسية على البحث والتدقيق.

 لغة الحوار

أما الكاتب صالح كرامة، فذكر أنه بإمكان الأديب الجيد أن يوظف اللغة العامية بصورة بارعة في الأعمال الإبداعية بحيث يرتقي بها، ويرفع من قيمتها، فهناك الكثير من المفردات والاشتقاقات في العامية هي ذات أصل فصيح، غير أنه من الأسلم استخدام اللغة الفصيحة في الأعمال الأدبية حتى تتم المحافظة عليها، وكذلك من أجل تواصلها واستمراريتها بين الأجيال، حتى لا يفقد الناس ذلك الإرث العظيم.

ويرى كرامة، أن للعامية جمالياتها، ومن الأفضل ألا يتم استخدامها في كل أركان الرواية والقصة؛ أي أن لا تصبح لغة السرد الأساسية، بل من الأفضل أن توظف على مستوى الحوارات في بنية النص السردي، وأن لا تكون دارجة مبتذلة، بل عامية راقية، وهذا ما فعله الكثير من الكتاب العرب، خاصة نجيب محفوظ والطيب صالح، فهما قد قدما تجربة مختلفة وعميقة في هذا الشأن، حيث كانت الفصحى هي لغة السرد العام عندهما، بينما خصّصا العامية للحوارات، وذلك لأن العامية هي لغة الحوار بين البشر في الواقع، فهناك من أبدعوا في صناعة حوارات مختلفة مؤسسة على فكرة ورؤية، فالطيب صالح قد برع في جانب الحوار الصوفي، ومن المعروف أن السرد الصوفي له خصوصيته وجمالياته الفائقة، وكذلك نجد أن نجيب محفوظ قد أبدع في نقل حوارات الحياة اليومية في الحارة والمقهى، بجماليات عالية المستوى، وبراعة لا تضاهى، مما جعلها راسخة في الأذهان، حيث إن الرواية هي ابنة المجتمع، فهي تطل على ما يحدث فيه، وترصد وقائعه، وتصور مشاهده اليومية، والمعروف أن الحوارات هي أصعب أنواع الفنون، لأنها تعتمد على الفعل وردة الفعل، لذلك كثيراً ما يلجأ المؤلف إلى العامية في صنع الحوار.

 بيئة النص

من جانبه يرى الروائي شاكر نوري أن استخدام اللهجة العامية في الرواية، يهدف من خلاله الروائي إلى رسم بيئة معينة ليمنح عمله نكهة محلية متميزة، تعبر عن المكان مثل الحي والحارة التي ولد فيها هذا العمل الإبداعي، كما فعل الروائي العراقي فؤاد التكرلي، مانحا رواياته نكهة بغدادية أصيلة، غير أن هذا الخيار صادف العديد من الانتقادات باعتبار أن اللهجة العامية أو الدارجة من شأنها أن تضعف العمل الإبداعي، لأنها غير قادرة على الانسجام مع الفصحى، أو لأنها لا تستجيب إلى قواعد العربية والنحو. 

ويرى نوري، أن المشكلة تكمن في الطلاق الحاصل بين اللهجة العامية والفصحى، وهو الأمر الذي لا يوجد في اللغات الأخرى، فهناك من ذهب إلى أبعد من ذلك مستخدماً اللهجة العامية، مثل الكاتب الفرنسي «فيرناندو سيلين»، صاحب رواية «رحلة إلى أقاصي الليل»، حيث قام بمزج اللهجة الدارجة الفرنسية مع اللغة الفصيحة، فأنتج بذلك نصاً مختلفاً، صارت بعده الرواية الفرنسية تقسم إلى ما قبل «فيرناندو سيلين» وما بعده، وهو إبداع قل نظيره في العالم، ويؤكد أن الإبداع في الرواية يعني الإبداع في اللغة. 

ويؤكد نوري أن الروائيين لا يمكنهم الاستغناء عن اللهجات العامية، لأنها تدخل في نسيج الحياة الاجتماعية للقراء، لذلك هنالك العديد من الروائيين العرب يكتبون نصوصهم السردية باللغة العربية الفصيحة، ويكتبون الحوارات باللهجات العامية. 

ويرى نوري أن من المؤسف أن تنزلق الرواية العربية، إلى استخدام اللغة الوسطية؛ أي تلك التي تزاوج بين الفصحى والدارجة في السرد من أجل تبسيط الفصحى للمتلقي؛ لأن في ذلك خطورة كبيرة على النص الروائي؛ لأن الرواية التي تعتمد على السرد، تقدم تجربة لغوية خاصة بالمبدع، ويجب أن يرتقي المتلقي إلى ما كتبه الروائي لا أن يهبط الأخير إلى مستوى المتلقي.