إعداد: خنساء الزبير
هناك كثير من الأدلة على أن السمنة وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية، تسهم بشكل كبير المضاعفات الناتجة عقب الإصابة بفيروس كورونا. ومن المنطقي تطبيق مبادئ الوقاية الأولية في محاولة احتواء هذا الوباء، من خلال التخفيف من عوامل الخطر تلك.
تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «الطب الانتقالي»، إلى أن النظام الغذائي المعروف بالحمية الكيتونية، أو الكيتو دايت، قد يكون مفيداً في هذا المجال بعد ثبوت مقدرته الكبيرة على خفض كتلة الدهون والآثار المضادة للالتهابات والمناعة، وبالتالي تحسن صحة القلب والأوعية الدموية.
يعتبر الوباء الحالي الناجم عن انتشار فيروس كورونا مختلفاً، حيث إن الفيروس ليس من مسببات الأمراض التي تؤدي مباشرة للوفاة، كما هو الحال مع فيروس الإيبولا أو السارس، إلا أنه ينتشر سريعاً. نظراً لأن هذا يؤدي إلى آلاف الإصابات الجديدة كل يوم، فإن هذه النسبة الصغيرة من العدوى تتسبب بسرعة في امتلاء المستشفيات ووحدات العناية المركزة بالمرضى، الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة ومتعددة التخصصات، وهو ما يصعب توفره بسبب العبء الصحي على أماكن تقديم الرعاية الصحية، في حين أن عوامل الخطر المتعلقة بالسمنة والأوعية الدموية تؤدي إلى نتائج أسوأ عقب الإصابة بـ«كوفيد ـ 19»، فمن المهم أيضاً ملاحظة أن فترة الإغلاق أدت إلى نمط حياة أكثر خمولاً، وهو ما قد يؤدي في حد ذاته، إلى تدهور الوضع الصحي للمجتمع ككل، كشيوع حالة مقاومة الأنسولين، وزيادة ترسب الدهون، والالتهابات منخفضة الدرجة المرتبطة بالسمنة بسبب سوء الاستقلاب في الجسم.
حالة «السمنة المفرطة الساركوبينية» هي مزيج من ضعف كتلة العضلات، مع ارتفاع كتلة الأنسجة الدهنية. وتنطوي على سوء التغذية، وانخفاض المناعة المضادة للفيروسات، وكذلك الاستقلاب الغذائي غير المنتظم والمسارات الالتهابية. لوحظ أن هذه الحالة في مرضى كوفيد-19 الشديد، ترتبط بمضاعفات أكثر مقارنة بمن يعانون السمنة غير الساركوبينية. من المعروف أيضاً أن السمنة تجعل مريض كوفيد-19 ضمن فئة الأعلى خطراً حتى ولو كان المريض صغير السن.
يمكن تفسير هذه العلاقة بأن ترسب الدهون على الحركة الرأسية للحجاب الحاجز يحد من مقدرة الرئة على القيام بعملها، وكذلك التأثيرات المناعية والاستقلاب الغذائي، والالتهاب المنخفض الدرجة الناجم عن السمنة. تعبر الخلايا الدهنية أيضاً عن «الإنزيم محول الأنجيوتنسين» بمستويات عالية، وهو المادة التي تسهل دخول فيروس كورونا للرئتين ومن ثم تضخيم عاصفة السيتوكينات الالتهابية.
الحمية الكيتونية
النظام الغذائي الكيتوني، أو حمية الكيتو، هو تدخّل في نمط الحياة يهدف إلى تغيير حالة الاستقلاب الغذائي في الجسم من حالة تستخدم الكربوهيدرات في المقام الأول إلى الاستقلاب الغذائي القائم على الكيتون، وذلك من خلال نمط غذائي عالي الدهون ومنخفض الكربوهيدرات. من المثير للاهتمام أن أحد الباحثين قد اقترح سابقاً استخدام الصيام المتقطع جنباً إلى جنب مع الدهون الثلاثية متوسطة السلسلة التكميلية كوسيلة ممكنة لمنع أو تقليل شدة الإصابة بفيروس كورونا. الفوائد المتوقعة هي زيادة مقاومة الميتوكوندريا للإجهاد، وتحسين نشاط مضادات الأكسدة، وإصلاح أكبر للحمض النووي، والالتهام الذاتي للخلايا التالفة، وتحسين حساسية الإنسولين.
تصحيح الأيض
تعالج الحمية الكيتونية أيضاً الخلل الأيضي المؤدي إلى الإصابة بمرض الكبد الدهني، مع انخفاض صحي في محتوى الدهون في الكبد ومقاومة الإنسولين بها، في غضون أسبوع من العلاج. يساعد أيضاً اتباع «الحمية الكيتونية منخفضة السعرات الحرارية بدرجة كبيرة» لمدة قصيرة من الوقت على تحسين التحكم في نسبة السكر في الدم لدى مرضى السكري النوع 2. تعود تلك الفائدة إلى أن الانخفاض الكبير في السعرات الحرارية التي يتناولها الشخص لا تعمل فقط على تعزيز خسارة الوزن ومنع ارتفاع نسبة السكر في الدم؛ بل تعزز أيضاً حساسية الإنسولين الكبدي، وبالتالي يمنع إنتاج الجلوكوز في الكبد.
ولا يعزز فقدان الوزن ويمنع ارتفاع نسبة السكر في الدم فحسب؛ بل يعزز حساسية الإنسولين الكبدي. تؤدي هذه التغييرات إلى تحسن ملحوظ في وظيفة خلايا بيتا المنتجة للإنسولين بالبنكرياس.
الحفاظ على العضلات
تزيد الحمية الكيتونية مستويات الكيتون في البلازما، بما في ذلك «أسيتو أسيتات» و«بيتا هيدروكسي الزبدات» التي توفر الوقود للطاقة وكذلك تنظيم الجينات التي تتحكم في الإجهاد التأكسدي. كما أنها تمنع انهيار خلايا العضلات وتقليل الالتهاب، إضافة إلى تأثيرات تعديل المناعة، وبالتالي تظهر مجموعة واسعة من الإجراءات في الأنسجة المختلفة.
تمنع أجسام الكيتون تنشيط الجسيمات الالتهابية استجابة للعدوى الفيروسية، وبالتالي يمكن أن تمنع التفاعل الالتهابي المفرط المرتبط بعاصفة السيتوكين لدى من يعانون كوفيد-19 الشديد. من المعروف أن البلاعم M1 تعتمد على إمداد الجلوكوز لتحلل السكر الهوائي، ولكن يمكن لحمية الكيتو أن تمنع تنشيطها عن طريق تقليل إمدادات الكربوهيدرات مع الحفاظ في الوقت ذاته على البلاعم M2 المضادة للالتهابات التي تستخدم الأحماض الدهنية الحرة، بدلاً من ذلك.
تشجع الحمية الكيتونية أيضاً على توسيع نوع معين من مستقبلات الخلايا التائية جاما دلتا. هذه الخلايا الحاملة لمستقبلات الخلايا التائية لها نشاط مناعي ومضاد للالتهابات. ربما تكون مهمة في الحفاظ على الحاجز الظهاري للرئة ضد هذه العدوى في الرئة والأنسجة الدهنية، ولكن أجسام الكيتون الذاتية هي فقط التي أظهرت المقدرة على حماية الفئران من الإنفلونزا في إحدى التجارب، ما يشير إلى قدرة تلك الحمية على زيادة أجسام الكيتون بطريقة فسيولوجية، وبالتالي تعزيز قدرة الخلايا المناعية التكيفية للوقاية من عدوى فيروس كورونا.
إيجابيات «الكيتونية»
تســــاعد «الحمــــــية الكيتونـــــية منخفضة السعرات الحرارية بدرجة كبيرة» على خفض ضغط الدم، عن طريق زيادة فقد الصوديوم عن طريق البول مع بيلة كيتونية (إفراز كميات كبيرة بشكل غير طبيعي من أجسام الكيتون في البول، وهي خصائص بعض المرضى مثل مرض السكري). ويساعد النشاط البدني على زيادة التأثير الإيجابي لهذا النظام الغذائي. يجب الانتباه إلى إعداد برنامج للحمية بشكل صحيح، بحيث يشتمل على تعديل دائم في نمط الحياة لمرضى السمنة، ويحد من عوامل الخطر المتعددة لكوفيد-19 الشديد من خلال آليات متعددة. يمكن ابتداء ذلك النظام الغذائي لوضع الجسم في حالة تأهب ضد فيروس كورونا، وللتصدي له عند دخوله الجسم، ويفضل أن تكون تحت إشراف طبيب أو متخصص في التغذية، خاصة في حالة الحمية الكيتونية الصارمة التي تنخفض فيها السعرات الحرارية بدرجة كبيرة.