فيناي براساد *
لكن أصحاب المقالات من جانبهم لم يعترضوا ولم يظهر عليهم الانزعاج. ويقول بعض النقاد إن كثيراً من المؤلفات العلمية تعاني إشكالية أو خللاً، وإن أداء العلماء في ما يتعلق بالتصحيح الذاتي هو أدنى من المستويات المطلوبة، وإنه كلما شدّدنا المراقبة والمراجعة نحقق خطوة إضافية نحو الأفضل.
أعتقد أن هذا الرأي لا يخلو من قصر نظر. فالرقابة لا تحل المشاكل في الحقل العلمي؛ بل تطرح مشاكل جديدة خاصة بها.
أقر بأن لدينا أزمة في العلوم، لكن جهوداً بحثية متخصصة تعمل بجد على ضبط تلك الإخفاقات وتوثيقها، لكن الكم الهائل من الإنتاج العلمي منخفض الجودة يُحيّر العقل. تبدو بعض المجالات مثل علم الأوبئة الغذائية في بعض الأحيان، على أنها سلسلة لا تنتهي من العناوين الرئيسية المكررة، المستمدة من دراسات مشكوك فيها.
وحتى في الطب السريري، غالباً ما نتبنى علاجات جديدة بناء على معلومات آنية أو مغلوطة أو محدودة. وقد كشفت دراسات تخصصية عقم هذه الأساليب بعد سنوات من تطبيقها دون مناقشة.
والحقيقة أننا نعيش مرحلة انقلاب في عالم الطب بعد أن أنفقنا مليارات من الدولارات على أدوية غير فعالة. إن محفزات وهيكل العملية العلمية التي أدت إلى هذا الخطأ، بحاجة ماسة إلى التدقيق والإصلاح، أضف إلى ذلك أن سحب المقال المنشور هو تشريح مجهري، بينما يعني قبول العلوم الرديئة القبول بالسرطان العلمي.
والسحب هو في جوهره أداة صغيرة يمكنها فقط إحداث تغيير طفيف في الكم الهائل من العلوم. نحن ملزمون بالخلاص من المادة العلمية غير الدقيقة، وهي كثيرة ومعظمها لا يفي بمعايير النشر، ولا يوجد عدد كافٍ من الأشخاص ولا مساحة كافية من الوقت للفصل في جميع المقالات التي قد لا تكون دقيقة.
هذا يفترض فينا الإخلاص في أحكام الرفض والقبول الخاصة بالمقالات العلمية، وفرض الرقابة عليها وتصنيفها. يجب ألا يتم ذلك عشوائياً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فهل هناك ديناميكية جديدة.
أولاً: الأغلبية العظمى من العلوم لا تهم سوى شريحة صغيرة من العلماء. ومن غير المحتمل أن يتم انتقاد هذا النوع من المقالات. بدلاً من ذلك، فإن الشرط الأوليّ للرقابة الحالية هو أن يكون موضوع المقالة يثير اهتمام شريحة كبيرة من العلماء الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي.
الشرط الثاني هو طبيعة المهتمين الذين يعتقدون أن الخلاف يجب أن يحسم لصالح جهة ما، غالباً ما تكون من مؤيديهم. وهذا يعني أن التصويت على سحب مقال ما قد لا يقوم على سبب موضوعي؛ بل أسباب كيدية. وهذا ما يحدث لرأي الأقلية عند الحديث عن قضايا ساخنة.
أما الخبراء الذين تم تعيينهم من قبل منصات التواصل الاجتماعي للفصل في ما ينشر، فهم بلا شك أشخاص أذكياء وذو نوايا حسنة، لكنهم غير مؤهلين علمياً للحكم على أبحاث ومقالات لا خبرة لهم بها. وهذا ينطوي على خطر الانزلاق وراء رأي الأغلبية، بغض النظر عن مدى صوابه أو دقته.
ولا شيء سوى الحوار يمكن أن يقربنا من الحقيقة. إن مناشدة منصات التواصل لسحب مقال ومحو كل أثر له، هو تكتيك المستبدين والطغاة، وليس العلماء. يمكن أن نلجأ إلى التجاهل، والدحض، والمناقشة، وسحب المادة العلمية المنشورة، عندما يتم استيفاء الأسباب، وبعد اتخاذ الإجراءات الرسمية الواجبة التي تضمن العدالة والإنصاف.
وأخيراً تبقى الرقابة مسمار الأمان لنا جميعاً، خاصة ونحن مقبلون على موجة جديدة من الأبحاث العلمية في مواجهة الأوبئة التي ربما يكون كورونا أولها.
* أستاذ الطب في جامعة كاليفورنيا. عن «واشنطن بوست»