الشارقة: علاء الدين محمود

يقول بعض النقاد والمشتغلون في حقل الأدب، إن قاموس الشاعر هو الشاعر نفسه، وذلك للتدليل على أهمية أن يكون لكل مبدع في المجال الشعري معجمه الخاص به من حيث توظيف التعابير واستخدام المفردات والأسماء الرمزية والدلالات، ولكونه يحمل بصمته التي تفرده عن بقية الشعراء، وهذا يتيح لكل متلقٍ أن يتعرف على منتوجه الشعري بمجرد مطالعته، ومن دون أن يتعرف على اسم القائل.

إن الكثير من الشعراء العرب منذ القدم، كانت تتكرر باستمرار مفردات وألفاظ بعينها في نصوصهم الشعرية، وقد استحوذت قضية «القاموس الشعري» حتى على اهتمام الباحثين الأكاديميين، ويرى بعض النقاد أن الشاعر المتمكن ليس بحاجة إلى معجم محدد الملامح، فهو قادر على الابتكار في كل حين، حيث إن لكل نص رؤية جديدة، وموضوعاً مختلفاً.

«الخليج»، طرحت موضوع القاموس الشعري أمام عدد من الشعراء.

الشاعر عبد الله الهدية، أكد أن المفردة هي التي تحدد هوية الشاعر، فيستطيع المتلقي الحصيف والناقد، أن يشير إلى نصوص معينة وينسبها إلى الشاعر، وذلك من خلال المعنى، حيث إن لكل شاعر قضية يهتم بها، ويأتي توظيف الألفاظ والمفردات كنوع من الاشتغال الدلالي على المعنى، فالقارئ الذكي يستطيع مثلاً أن يعرف إن كان هذا النص القديم للمتنبي أو البحتري، لمعرفته المسبقة باهتمامات كل من الشاعرين الكبيرين، كذلك عبر الألفاظ المتكررة التي تشير إلى قاموس كل واحد منهما، وذلك الأمر ينطبق حتى على شعراء العصر الحديث، فلكل واحد معجمه الخاص من العبارات والدلالات.

ويفرق الهدية، بين نوعين من الشعراء، أولهما اتباعي، وهو الذي تختلط المفردات والألفاظ في شعره دون أصالة، وثانيهما، هو الإبداعي، وهو الذي يوظف العبارات بشكل ومضمون خلاقين، فهو صاحب مفردة خاصة وأسلوب متفرد، وإذا تكاملت تلك العناصر لدى الشاعر، فإن نصوصه تحمل بصمته الخاصة، لذلك فإن هنالك مفردات بعينها تتكرر في القصيدة هي بمثابة منهج للشاعر، فهو مولع بمثل تلك الألفاظ لأنها تؤدي غرضاً معيناً وتعبر عن كينونة المبدع.

 مفتاح الدلالة

ويرى الهدية، أن اللغة تحفل بالمفردات، لكن الشاعر المتميز يصطاد نوعاً معيناً منها، هو الأكثر دلالة، وذلك الأمر واضح في شعر الكثيرين، حتى إن شاعراً بحجم أبي الطيب المتنبي، كان يصطاد الكلمات الغريبة ويدرجها ضمن قاموسه الشعري، ويفاجئ المتلقين في كل حين بمفردات جديدة، ويلفت الهدية إلى أن خصوصية التعابير والألفاظ، تظهر حتى في حالة الإلقاء الشعري، حيث تمتاز كل مفردة بجرس معين وطريقة إلقاء محددة، فهي قصيدة في حد ذاتها وتعد بمثابة الهوية التي تميزه وتفرده.

وحول رأي بعض النقاد بضرورة الابتكار والتجديد، يشدد الهدية، على أن الشاعر يجدد ألفاظه عند كل نص، لكن هنالك مفردات معينة تسكنه، غير أنه يضيف إليها في كل حين من أجل بناء قاموسه الخاص.

فيما يعقد الشاعر سالم بن جمهور مقارنة أقرب للتشابه بين القاموس الشعري والجينات، فهو يرى أن المفردات التي يستخدمها أي شاعر، وتتكرر في نصوصه الشعرية هي تشبه الجين الوراثي، تسكن بصورة طبيعية في خلايا مولوده، أي قصيدته، فهنالك شعر مطبوع وآخر مصنوع، والأول هو الذي يخرج مندفعاً بصورة طبيعية يحمل شبهاً كبيراً عن قائله، فهو نابع من الدواخل مثل الجين.

وذكر بن جمهور، بأن الإبداع الشعري، يتشكل من شعر وشاعر وناقد، وهو ثالوث مهم، فالناقد هو الذي يستطيع من خلال الخبرة والتجارب والمعرفة، أن يحدد أن (شعر فلان يشبه نظم علان)، وذلك لأن هنالك تشابهاً في القاموس الشعري، لذلك تطلق بعض الأوصاف مثل «الدرويشية» نسبة إلى محمود درويش و«النزارية» نسبة إلى نزار قباني على الحالات الشعرية التي تشبه نصوص محمود درويش، ونزار قباني، فعلى سبيل المثال: فإن بعض نصوص التيجاني يوسف بشير، تشبه أشعار أبي القاسم الشابي، من حيث ذكر مفرداتها وألفاظها، رغم أن كل شاعر منهما ينتمي إلى بلد مختلف، لكنه تشابه في الشاعرية والدلالات، وبالتالي تختلف الصور والإيحاءات.

تطوير دائم

وأشار بن جمهور إلى أثر البيئة في القاموس الشعري، فالشاعر الذي يسكن قرب الشواطئ تكثر في نصوصه المفردات التي تنتمي إلى البحار، فهو يتعامل جمالياً مع اللون الأزرق، بعكس المبدع الذي يسكن الصحراء، فهو يتعامل مع اللون الأصفر، ويوظف مفردات الصحارى في أشعاره، لكن الشاعر من حيث الإبداع والابتداع، يعمل بصورة مستمرة على تطوير المفردات، ويبقى هناك دائماً شيء يميز الطابع والسمات التي تخص شاعراً عن غيره، فالمهم عند الشاعر هو القصيدة، وهي التي تخرج مثل «طفل» أي إنسان، فهي تشبهه وتحمل جيناته، فالشاعر لا يغير قاموسه ولكن يعمل على تطويره. 

أما الشاعرة الهنوف محمد، فقد لفتت إلى مسألة مهمة، تشكل مساراً مختلفاً في الحديث، عندما ذكرت أن الشاعر يعمل على الدوام على اكتشاف النقيض، فالشاعر الذي تربى في بيئة صحراوية، يعمل على اكتشاف مفردات البحر، بالتالي تسكن ضمن قاموسه الشعري، وكذلك العكس، فبعض الشعراء الذين يسكنون الصحراء تجد أن نصوصهم زاخرة بالألفاظ والمفردات التي تنتمي إلى البحر، وذلك لأن الشعر نفسه بقدر ما هو تعبير عن الذات، فهو محاولات مستمرة لاكتشاف الآخر والنقيض، وعملية الاكتشاف تلك تؤثر بالضرورة في قاموسه من حيث المفردات والألفاظ.

بيئة النص 

وترى الهنوف محمد، أن القاموس الشعري للشاعر يمتلئ بالدلالات والرمزيات الغريبة، والتي تنتمي في كثير من الأحوال إلى البيئة وطريقة العيش والثقافة الخاصة، فمثلاً صورة الذئب عند بعض الشعراء نجدها مختلفة عن حقيقته، فهو في نصوصهم مظلوم ومفترى عليه، وهذه الصور على تلك الشاكلة تنتج من خلال تأمل الواقع ومحاولة تأويله بصورة مختلفة، فعلى سبيل المثال، فإن الذين يعيشون بقرب البحار من الشعراء، يبحثون دائماً عن تلك العلاقة الجدلية التي تكون مفردات البحر، فيتسرب كل ذلك التأمل إلى القاموس الشعري بصور مختلفة عن ما هي عليه في الواقع، عبر رمزيات ودلالات مختلفة، وتكون غامضة في بعض الأحيان.

وأوضحت الهنوف محمد، أنها تنتمي إلى بيئة البحر، لذلك تكثر في نصوصها بصورة طبيعة مفردات مثل البحر والماء والهواء والتراب، لكنها أيضاً تحتفي بمفردات الصحراء، وتحيل الهنوف ذلك لقضية الاكتشاف والمغايرة.