جواسيس عالم جون لو كاريه

00:11 صباحا
قراءة 3 دقائق

كالدر والتون *

لم يكتب الروائي البريطاني ديفيد كورنويل، فقط عن عالم الاستخبارات فقط، بل لقد غيّره إلى الأبد. فديفيد كورنويل الذي كتب لستة عقود تحت اسمه المستعار الشهير «جون لو كاريه»، والذي توفي في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2020، عن عمر 89 عاماً، قادم من تقاليد عريقة للكتّاب البريطانيين الذين كانوا أيضاً جواسيس. فعلى عكس الآخرين في هذا التقليد، تتجاوز كتبه نوع رواياتهم التجسسية. وهي تتعلق بالضعف البشري، والغموض الأخلاقي، والتآمر، والفروق الدقيقة، والشك، والجبن. وللسبب نفسه، كان لأدب لو كاريه التميز النادر في التأثير الملموس في موضوعه، وهو عالم الاستخبارات.

 وعلى الرغم من أنه عمل في المخابرات البريطانية بضع سنوات فقط، وفي مناصب منخفضة المستوى، كان لو كاريه الروائي الوحيد الذي خدم في كل من MI5 (جهاز الأمن الذي يركز على الداخل في بريطانيا)، وMI6 (المخابرات الخارجية)، الذي شكلت تجربته حياته بالكامل في مهنة الكتابة. وكتب لو كاريه روايته الأولى «نداء للموتى»، (1961)، وهي تحفة فنية صغيرة، بينما كان يتنقل بالقطار إلى مقر MI5 في لندن، ما يجعلها بالتأكيد أفضل رواية مكتوبة على الإطلاق على متن قطار. وفي ذلك الحين، كان كلا الجهازين مغطى بالسرية بشكل كبير، أكثر بكثير ما هما عليه اليوم. يومها لم تعلن الحكومة البريطانية عن وجود مثل هذه الأجهزة الاستخباراتية. ومنعت حتى ذكر أي منهما، لكن لو كاريه قام بدمجهما في مؤسسة خيالية واحدة هي: السيرك.

 قدم هذا الكتاب للقراء شخصية جورج سمايلي، أشهر شخصية عند لو كاريه. وعلى الرغم من أنها مكتوبة ببراعة، إلا أن المقدمة الأولية لسمايلي في الرواية لم تعطِ أي تلميح إلى أنه سيصبح أعظم جاسوس خيالي موثوق به على الإطلاق. 

 كان وصف لو كاريه الأول لسمايلي أنه قصير، وسمين، وهادئ، وغير جذاب، ويرتدي ملابس رثة حقاً، ومتزوج من سيدة تحمل لقب «الجميلة»، وهو ما كان نقيضاً لشخصية جيمس بوند عند إيان فليمنج. من تلك الرواية فصاعداً، جلب لو كاريه التعب الشديد إلى عالم التجسس، ولضباط المخابرات.

 يشار إلى أن لو كاريه استلهم بعضاً من أعظم قصص التجسس الحقيقية للحرب الباردة في رواياته. وقد انطوت بالفعل على خيانات مدمرة. ويمكن مثلاً رؤية الخيانة والأضرار التي ألحقها كيم فيلبي، وهو عميل «كيه جي بي» رفيع المستوى داخل MI6، بالمخابرات البريطانية، في أشهر رواياته، «السمكري والخياط»، و«الجندي والجاسوس»، (1974)، ونُشرت رواية «الجاسوس الذي جاء من البرد» في نفس العام الذي انشق فيه فيلبي عن الاتحاد السوفييتي عام 1963، حيث انضم إلى زميليه الجاسوسين في كامبريدج جاي بورجيس، ودونالد ماكلين.

 وقد ألهمت قضية أوليج بينكوفسكي، العميل في وكالة المخابرات المركزية، (سي آي إيه)، وMI6 وهو في عمق المخابرات العسكرية السوفييتية، لو كاريه لكتابة «البيت الروسي» (1989). وقد ساعد تجسس بينكوفسكي في مسألة الصواريخ السوفييتية، الرئيس الأمريكي جون إف كينيدي، على حل أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر/ تشرين الأول 1962.

وفي حين أن روايات لو كاريه كانت من الخيال، فإن حدودها مع عالم التجسس الحقيقي تتلاشى في بعض الأحيان.

 لقد أدى خبر وفاة لو كاريه إلى تكريم ريتشارد مور، رئيس MI6 الحالي، الذي قام في تغريدة بتقديم التعازي لجميع الموجودين في «بيت النهر» وهو الاسم الخيالي الذي أطلقه لو كاريه على مقر MI6 على ضفاف النهر في لندن. وأشاد مور ب«روايات لو كاريه الرائعة والمفعمة بالحيوية».

* مساعد مدير مشروع التاريخ التطبيقي بكلية هارفارد كينيدي، ومدير الأبحاث في مشروع الاستخبارات. (فورين بوليسي)

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

مساعد مدير مشروع التاريخ التطبيقي بكلية هارفارد كينيدي، ومدير الأبحاث في مشروع الاستخبارات

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yxrodfc9