المسرح هو الفن اليوناني الخالص الذي لم يسبق بمثال، ففي جوف البيئة غرس، وعلى سطح العقيدة نبت، وبين أحضان الشعب توفرت له أسباب النماء، وإذا قلنا المسرح اليوناني كنا كمن يقول التراجيديا الإغريقية، وكنا كمن يشير إلى ثلاثة كبار حملوا لواء هذه التراجيديا، أولهم أسخيلوس وثانيهم سوفوكوليس وثالثهم يوربيدوس. أولهم يمثل فجر المسرح الإغريقي، والثاني يمثل ظهره، والثالث عصره، والثلاثة جميعاً يشبهون في كثير من الوجوه ثالوث الفلسفة الإغريقية: سقراط وأفلاطون وأرسطو.

التراجيديا الإغريقية لم تكن نصوصاً تكتب، ولا قواعد تتبع، وإنما كانت حياة تمارس، وواقعاً يعاش، كانت شعائر تؤدى، وأساطير تحفظ عن ظهر قلب، فالإغريقي القديم عندما أحس بنفسه، أحس بما حوله أيضاً، أحس بالأشجار والبحار والجبال والعواصف والرياح وغيرها من ظواهر الطبيعة، وكان لا بد له أن يفسر هذه الظواهر فلم يجد تفسيراً لها، سوى أن وراءها قوة أكبر وأعلى.

يشير هذا الكتاب لفوزي فهمي وعنوانه «المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة» إلى أن الأساطير على الرغم من سذاجة تصورها بالنسبة لإنسان العصر الحاضر، إلا أنها تعتبر واقعاً كان يعيشه الشعب الإغريقي ذات يوم، والذي يعنينا هو إثبات فعالية الأسطورة في تكوين المفهوم التراجيدي ثم أهميتها بالنسبة لذلك التصور الديني الذي كان يعتقد فيه مشاهد التراجيديا أيام الإغريقي، فمن خلال هذا التصور جاء الشعراء الإغريق ليصوغوا هذه الأساطير روائع فنية، وليضعوا اللبنات الأولى لصرح الأدب المسرحي.

يوضح الكتاب أنه لما جاء أرسطو وجد أمامه هذه العناصر التراجيدية لكن على نحو مبهم مبعثر، فجمعها وألف بينها وصنف أقسامها ووضع المصطلحات وصاغ القوانين وخرج بنظريته الشهيرة في «التطهير» التي أودعها كتاب «فن الشعر» والتي سيطرت على كل تفكير تراجيدي لعدة قرون، وكان يمكن أن يكون ذلك أداة نفع أكبر للإنسانية لو أنه لم يسيطر على الفكر الدرامي كل هذه السيطرة، أو بعبارة أخرى لو أنه كان نقطة بداية لا نقطة انتهاء، والصحيح أنه ظل حجر عثرة في سبيل كل تقدم درامي حتى ظهر عصر النهضة، فكل تطور جديد في ميدان الدراما لا يكاد يبدأ إلا بالهجوم على ركن من أركان المفهوم التراجيدي كما جاء في نظرية أرسطو.

وكان أول معول هوى على صرح المفهوم التراجيدي هو ظهور التراجيديا الكلاسيكية في القرن السابع عشر، وبانتفاء دلالة الأسطورة حدث تغير جذري في جوهر المفهوم التراجيدي، إذ تحول موطن الصراع القديم، فلم يعد صراعاً خارجياً بين الإنسان وقوى خارج ذاته، وإنما أصبح صراعاً داخلياً بين العقل والعاطفة، لكن المفهوم التراجيدي وإن فقد مضمونه الأسطوري ظل محافظاً على شكله الأرسطي، وجاء شكسبير ليعصف بقواعد أرسطو حتى أطلق النقاد على مسرحياته اسم «الدراما الشكسبيرية».

يوضح الكتاب أنه بتغير شكل الدراما ومضمونها، أصبحت تعرف باسم الدراما الحديثة، تلك الدراما التي تتماشى مع روح وشكل المجتمع الصناعي الجديد، والتي تعالج مشكلة الإنسان العادي باعتباره الركيزة الأساسية في مجتمع العصر الحديث، وتبعاً لاختلاف العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ثم علاقة الفرد بالمجتمع في مساراته القائمة واتجاهاته المستقبلية، لم يعد لتلك التراجيديات ذات المفهوم الأرسطي وجود في هذا المجتمع الجديد.