القاهرة: «الخليج»
«لو كان لديك مسرح فلتلعب دورك على أكمل وجه، وإن لم يكن لديك مسرح فلا تكن مجرد متفرج» هكذا يقول الكاتب الصيني «تشوا دا شين» في روايته «بعد النهاية» التي ترجمها إلى العربية يحيى مختار، وهي رواية نصف سياسية، نصف فلسفية، يجسد باطنها علاقات مجتمعية وعاطفية متشابكة ومعقدة، رجل مات، يعاد إحياؤه بعيون 26 مقابلة مع بعض ممن كانوا على مقربة منه، 26 رؤية مختلفة لرجل واحد، و26 رواية متباينة للحدث نفسه، إنها رواية تحمل أحلام وهموم الصين وتراجيديا الحياة، كل حياة.
هذه الرواية هي أحدث ما أبدعه الروائي الصيني «تشو دا شين» في مشواره الأدبي الذي بدأه منذ عام 1979 عندما نشر باكورة أعماله «خطاب من الجبهة» ولا يعد كاتبنا غريباً عن القارئ العربي، فقد ترجم له إلى العربية ثلاث روايات: «ترانيم الموت – مشهد البحيرة والجبل – مشانق من فضة» وقد صدرت هذه الرواية عام 2015 وهي تنتمي إلى ذلك النوع من الروايات السياسية، على الرغم من أن الأدب الصيني، كان بعيداً عن السياسة، ولا يتعرض لها إلا على استحياء، لكن تغير المناخ منذ تسعينات القرن الماضي، جعل الأوساط السياسية أو الرسمية مادة خصبة للكتابة في الصين.
تختلف هذه الرواية عن كثير من الكتابات السياسية في أن صاحبها عمل في المجال العسكري لعشرات السنين، وهو ما جعله على دراية تامة بما يحدث في الصين، وامتلك شبكة من العلاقات والصداقات الواسعة، وأتاح له ذلك فرصة الكتابة بهذا الشكل الواقعي؛ حيث عرض الكاتب لأحوال المجتمع الإداري في الصين، وكيف تجري العلاقات بين المسؤولين هناك، وكان عنوان الرواية هو «انتهى العرض والجمهور لم يغادر» وهي تستعرض سيرة أحد حكام المقاطعات في الصين من خلال زيارات استقصائية قام بها الكاتب بطلب من زوجة هذا الحاكم بعد وفاته، ل26 شخصاً من أقارب وأصدقاء وزملاء هذا الحاكم.
شواهد وأدلة
في رواية «بعد النهاية» محاولة تصوير خيالي للواقع، وشبكة العلاقات الاجتماعية التي عمد إليها الكاتب هي شواهد وأدلة من جوانب مختلفة تضفي صبغة واقعية وتزيد من مصداقيته، كما أن النعي في بداية الرواية ونهايتها يضفي طابعاً واقعياً على الأحداث؛ حيث عمد الكاتب إلى ترتيب ظهور الشخصيات بشكل يثير الاهتمام، ويدعو القارئ إلى الربط بين الأفكار، فيوضح في فهرس الرواية أن ترتيب المقابلات كان من حيث توقيت إجرائها وليس من حيث الأحداث أو الترتيب السردي، أو حسب درجة القرابة، أو أهمية الشخصيات أو علاقته بها، وهو ما يتطلب من القارئ أن يعمل عقله، كما أن هناك أحداثاً بقيت فارغة متروكة للقارئ وخياله.
تظهر هوية كل شخص من خلال لغته في الحديث، هناك تطابق بين الشخصية واللغة، التي تتحدث بها خلال الزيارة، وهو ما جعل الحوار يتمتع بمصداقية عالية، ففي كل زيارة نتعرف إلى جانب آخر، ونحصل على معلومات أكثر عن شخصية الحاكم، فعلى الرغم من أن كل شخصية جاءت مستقلة بأحداث مختلفة وطرق سرد متنوعة، فإن هناك تقاطعات وتشابكات خفية تبرز مهارة الكاتب وبراعته، الرواية لا تركز على المضمون؛ بل على الأحداث والشخصيات، فالراوي يضع الشخصية داخل بيئة معقدة متناقضة، ومن ثم يسلط الضوء عليها، فلا يوجد خط رئيسي للقصة، فهي أشبه بالسيرة، ليست هناك بداية للأحداث، كما لا يوجد منحنى تصاعدي، ولا شكل هرمي، ولا نهاية مقصودة، هي طريقة جديدة في الكتابة، ونوع جديد من السرد، يمنح القارئ تجربة فريدة، يترك الكاتب من خلالها مساحة للتفكير والتخيل بما أنه لا يوجد راوٍ للأحداث، لكن توجد شخصيات تتحدث، وهو ما يطلق عليه السرد الصفري.
مئة عام من العزلة الصينية
«تشو دا شين» ولد عام 1952 وتخرج في معهد السياسة التابع لجيش التحرير الصيني عام 1985 ثم التحق بعد تخرجه بمعهد لو شون للأدب في بكين، وفي بداياته كان يكتب كثيراً عن حياة الجندية والأعمال ذات الطابع العسكري، ثم تنوعت أعماله بعد ذلك، وعندما نشر قصته «امرأة الهان» حازت جائزة أفضل قصة في الصين، وصدرت له ثماني روايات من بينها «المشهد الثاني عشر» التي تعد ملحمة تاريخية صينية، وقد أطلق عليها النقاد اسم «مئة عام من العزلة الصينية» وتحول عدد من أعماله إلى مسلسلات وأفلام سينمائية، وترجمت إلى عدة لغات، وفاز بعدد من الجوائز.