مايكل بوساك *
في الأسبوع الماضي، سرب «عضو بارز» في الائتلاف الحاكم في اليابان خبراً عاجلاً لصحيفة «التايمز» البريطانية، سرعان ما انتقل ل«رويترز» التي نشرته كخبر رئيسي، ثم أخذ يحلق بجناحين لينتشر في الفضاء الإعلامي العالمي خلال دقائق.
وحسب مصادر الخبر، فقد ألمح المسؤول الياباني إلى أن قادة الحزب الليبرالي الديمقراطي، ومعهم أعضاء الائتلاف الحاكم (كوميتو) قد توصلوا إلى استنتاج، مفاده أنه يجب إلغاء أولمبياد طوكيو، وأنهم يبحثون فقط عن مخرج لحفظ ماء الوجه. ولو افترضنا أن هذا المسؤول كان كبيراً و«مصدراً موثوقاً»، فلماذا يقوم بتسريب مثل هذه المعلومات الحساسة؟
والتسريب هو تصريح للصحافة عن معلومات سرية أو حساسة من دون إذن رسمي. ويرتبط المصطلح بالحكومات في الأغلب، وإن كان يستخدم في القطاع الخاص. وليس من الضروري أن تكون التسريبات صحيحة؛ بل يجب أن يُنظر إليها على أنها واقعية من قبل الأفراد الذين يبلغون عنها.
وتلجأ معظم الحكومات للتسريبات، سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة. وفي الأغلب تكون الدوافع والأساليب وأنواع المصادر الكامنة وراء هذه التسريبات، هي نفسها بشكل عام، بغض النظر عن الجهة المستهدفة منها. وأياً كانت الحالة فإن مسرب الائتلاف الحاكم في اليابان يوفر نموذجاً جيداً لاختبار فن التسريب في الحكومة اليابانية.
هناك أربع فئات نموذجية من المسربين الذين يصنعون الصحافة في اليابان وهم: مسؤولو الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم؛ ومسؤولو كوميتو (يشار إليهم غالباً باسم «أعضاء الائتلاف الحاكم»)؛ وأعضاء مجلس الوزراء أو كبار الموظفين؛ والبيروقراطيون وهم إما «مصادر حكومية» أو هم من «المسؤولين الحكوميين» بلغة وسائل الإعلام.
الشيء المهم الذي يجب مراعاته هنا هو مدى قرب المسرب من المشكلة. فإذا كانت المشكلة تتعلق بالمعاملات الداخلية للحزب الديمقراطي الليبرالي، فلن يكون المسؤول الحكومي هو المصدر الأكثر موثوقية، وينطبق الشيء نفسه على عضو غير مسمى في الحزب الحاكم يسرب معلومات حول تنسيق السياسة بين المؤسسات الحكومية.
وهناك أربعة دوافع أساسية لتسريب المعلومات. الأول هو الإعلان عن مواقف سياسية؛ حيث يمكن تسريب معلومات إما لكسب التأييد وإما توليد ردة فعل قوية ضد طرف آخر.
كما تطلق التسريبات كبالونات اختبار تتم دراسة ردة الفعل بعد تسريبها ومن ثم تحديد الخطوة التالية.
والدافع الثاني للتسريب هو إطلاق إشارة استراتيجية. هناك معلومات سرية لا يمكن نشرها علناً ولكن يمكن أن ترسل إشارة قوية إلى شريك أو خصم محتمل حتى لو تم نشر مقتطف منها في الصحافة.
الدافع الثالث هو تقويض الخصم السياسي؛ حيث تتم التسريبات مع وضع أهداف محددة في الاعتبار وهدفها هو سحب الموافقة العامة، أو لإثارة تحقيق أو تشويه سمعة شخص ما.
الدافع الرابع هو ما يسميه البعض «تسريبات الغرور». يريد مسربو الغرور الظهور بمظهر مهم للآخرين؛ لإظهار أنهم على دراية، أو للمبالغة في حجم نفوذهم وقربهم من القمة.
وفي اليابان، هناك نوعان مهمان من العلاقات التي تسهم في حدوث التسريبات؛ الأول علاقات نوادي كيشا اليابانية التي ترسم الطريقة التي يتم بها جمع الأخبار أو قمعها. فكل وزارة أو مؤسسة حكومية رئيسية تمتلك نادي «كيشا» الخاص بها مع مكاتب فرعية. يضم أعضاء النادي مراسلين من المنافذ الإخبارية المطبوعة والتلفزيونية والإذاعية الرئيسية، ويمكن للأعضاء المسجلين إقامة علاقات مع البيروقراطيين والبحث عن الخفايا والتنصت. بالطبع، هذا هو المكان الذي يمكن للحكومة فيه الاستفادة من سلطتها، إما في قمع القصص من خلال التهديد بطرد الصحفيين من النادي وإما عن طريق تسريب المعلومات عمداً إلى أعضاء نادي كيشا لتوليد الأخبار.
أما العلاقات الأخرى التي تساهم في التسريبات في اليابان فهي العلاقات المدرسية. هناك عامل مشترك بين الحزب الليبرالي الديمقراطي والبيروقراطية اليابانية ومنافذ الأخبار المحلية الرئيسية هو أن نسبة كبيرة من موظفيها تخرجوا مما يسمى مدارس النخبة «أي في ليج» مثل جامعة طوكيو، كيو، واسيدا، وجامعة كيوتو.
تلك الروابط المدرسية لها وزنها، خاصة في عالم السياسة، وهناك عادة تفاعل روتيني على الأقل في حفلات العشاء والسمر، ولم الشمل، وأنماط أخرى من التفاعل الاجتماعي. توفر كل نقطة من نقاط الاتصال هذه فرصة للتسريبات، كما هو الحال بالنسبة للعلاقات الشخصية طويلة الأمد التي قد تكون موجودة بين زملاء الدراسة.
ربما يأتي الشكل الأكثر شيوعاً للتسريبات غير المقصودة في اليابان من انتهاكات حظر النشر. فعلى صعيد أخبار الحكومة اليابانية، من الشائع بالنسبة لوسائل الإعلام المحلية الكبرى نشر الأخبار في الليلة السابقة لأي إعلان حكومي مهم. وكلما كان هناك بيانات صحفية مهمة مجدولة، يقوم البيروقراطيون بتوزيع إيجازات صحفية على أعضاء نوادي الكيشا - عادة في الليلة السابقة. يتم ذلك من باب المجاملة للسماح للصحفيين بإعداد الأسئلة والمقالات مع الفهم الضمني بأنهم سيحترمون الحظر حتى الوقت المحدد.
لكن هناك سوابق في اليابان تُظهر أن المنافذ الإخبارية الرئيسية تميل إلى نشر بعض التفاصيل على الأقل مقدماً. وقد يكون هذا محبطاً للشركاء الأجانب، الذين يشاهدون منافذ الأخبار اليابانية تبث تفاصيل بيان مشترك تم إعداده بعناية قبل ما يصل إلى 18 ساعة من وقت الإصدار المتفق عليه.
وتوفر معرفة كيفية عمل التسريبات في اليابان فهماً لكيفية قراءة الأخبار عن السياسة والحكومة اليابانية، وتوفر أيضاً نظرة واضحة على صلاحية الأخبار وما يمكن أن يحدث خلف الكواليس.
* مستشار لدى الحكومة اليابانية.«جابان تايمز»