د. محمد فراج أبو النور *

مسارات وخطوات وتصريحات متضاربة إلى أبعد الحدود تشهدها العملية السياسية، وإجراءات تشكيل السلطة الانتقالية الجارية في ليبيا؛ بسبب الوجود العسكري التركي في البلاد، والتصريحات والإجراءات التي تقوم بها حكومة أردوغان، والتي تمثل انتهاكاً سافراً لسيادة ليبيا، وتحدياً صريحاً للقرارات الدولية، وللعملية السياسية الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة، مهما يكن ما تميزه هذه العملية من أسئلة وتحفظات.

بينما بدأت بالفعل الخطوات الإجرائية الأولى لتشكيل السلطة الانتقالية (في جنيف) بداية الشهر الجاري، فإن تركيا كانت مستمرة في تنظيم حملة جديدة؛ لتجنيد المرتزقة الإرهابيين في الشمال السوري؛ لإرسالهم إلى ليبيا، من دون أدنى مبالاة بمطالبة الشعب الليبي، والقرارات الدولية والعواصم الكبرى في العالم، بإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد (الأهرام – المصري اليوم – وكالات الأنباء والمواقع – 3 فبراير 2021) وكانت وزارة الدفاع التركية تنشر صوراً لتدريبات ميليشيات «الوفاق» على أنشطة الضفادع البشرية تحت إشراف الخبراء الأتراك (الرعين الإخبارية 7 فبراير 2012)، وأعلنت الوزارة أن هذه التدريبات تتم في إطار برنامج مستمر.
 وبعد انتخاب المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة الجديدين (5 فبراير الجاري) سارع ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي للتصريح بأن الحكومة الانتقالية الليبية تدعم دور أنقرة في ليبيا، ولا تعارض الوجود التركي في البلاد، وأن هذا الوجود والاتفاقيات وقعتها أنقرة مع حكومة «الوفاق» ولن تتأثر باختيار الحكومة المؤقتة الجديدة.. وأن تلك الاتفاقيات هي «اتفاقيات دولية» لا تتأثر بتغير الحكومات!
 مساومات وتسميم للأجواء
 ومعروف أن أخطر عيوب «اتفاق جنيف» الذي تجري العملية السياسية الليبية الحالية في إطاره؛ هو عدم نص الاتفاق على انسحاب قوات الغزو التركي من البلاد، وأن هذه النقطة كانت وستظل محل انتقاد شديد من جانب القوى الوطنية الليبية للاتفاق، على الرغم من اضطرارها للموافقة عليه تحت ضغوط أمريكية شديدة، وبالتالي فإن أية حكومة انتقالية ستتولى السلطة في ظل وجود هذه القوات والاتفاقيات الموقعة بين السراج وأردوغان.. غير أن المعروف أيضاً هو أن القرارات الدولية، ومخرجات قمة برلين، تنص على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية، وطرد المرتزقة من ليبيا، وحل الميليشيات.. وإذا كان «اتفاق جنيف» لم يتحدث عن انسحاب قوات الغزو التركي وتصفية القواعد البحرية والجوية التي تحتلها فإن هذا لا يلغي القرارات الدولية التي سبقت الإشارة إليها ولا يصادر حق أية حكومة وطنية ليبية قادمة في طرد القوات والقواعد التركية في أقرب وقت ممكن، وكذلك إلغاء الاتفاقيات غير الشرعية بين أنقرة وحكومة «الوفاق».
 ومن ناحية أخرى، فإن تركيا تعمد إلى تسميم أجواء التسوية أو نسفها.. كما تعمل في الوقت عينه إلى تعزيز قوتها وقوة الأطراف الموالية لها؛ من خلال حشد مزيد من الأسلحة والوحدات العسكرية التركية من ناحية، والمزيد من المرتزقة الإرهابيين من ناحية أخرى؛ سعياً إلى إحداث المزيد من الخلل في موازين القوى العسكرية، بما يتيح لها توسيع انتشارها باتجاه (الشرق) أو حتى اجتياحه كحد أقصى أو فرض شروط أفضل للميليشيات الموالية لها مثل «الإخوان» وغيرهم من الميليشيات الإرهابية كحد أدنى.
 وقد مرت الأشهر الثلاثة التي يتحدث عنها اتفاق جنيف كحد أقصى لترحيل المرتزقة الأجانب، ولحل الميليشيات وإدماجها في القوات (الموحدة) الأمنية والعسكرية من دون أن يتحقق أي شيء، من هذا؛ بل أخذت أنقرة في الفترة الأخيرة تجلب مزيداً من الإرهابيين من ذوي التدريب المتخصص والقدرات القتالية الأعلى؛ لضمهم إلى جيش «المرتزقة» الذي يبلغ تعداده نحو عشرين ألف مقاتل إرهابي.
 وبالتالي فإن السلطة الانتقالية ستتسلم بلداً تحتل عاصمته قوات غزو أجنبي، وتسيطر على جزء كبير من قوات العسكرية (الغربية) ميليشيات إرهابية محلية وأجنبية؛ الأمر الذي يضع عقبات بالغة التعقيد أمام تنفيذ (خريطة الطريق) العتيدة سواء فيما يتصل بإمكانية إجراء استفتاء نزيه على الدستور، أو إجراء انتخابات نزيهة للبرلمان والرئاسة في الموعد المقرر (24 ديسمبر 2021).
 مشكلات عويصة
 وقد ساعد النظام الانتخابي الذي وضعته ستيفاني ويليامز – وفرضته بضغوط غربية شديدة – على إسقاط لائحة عقيلة صالح وفتحي الباشاغا، ليفوز محمد المنفي (دكتور في الهندسة) برئاسة المجلس الرئاسي، وعبد الحميد دبيبة (رجل أعمال من غرب البلاد) برئاسة الحكومة.
 فالمفروض أن يحصل المجلس الرئاسي (الرئيس إلى جانب نائبيه) على ثقة البرلمان (ومقره الدستوري في بنغازي) خلال ثلاثة أسابيع،.. فإذا لم يتحقق هذا؛ فإن المجلس الرئاسي والحكومة سيعرضان على (لجنة الحوار السياسي -75 عضواً) لتحل محل البرلمان في منح الثقة، وإذا حدث هذا فإن معناه يكون نزع الشرعية عن البرلمان المنتخب، لتستأثر بها لجنة (الحوار) المختارة من جانب ويليامز بمفردها.
 وقد بدأت المشكلات تطل برأسها حين رفضت كتلة البرلمان الموجودة في طرابلس الذهاب إلى المقر الدستوري في بنغازي، ومعروف أن العاصمة غير مستقرة أمنيا، وأنها خاضعة لسيطرة الميليشيات.
ومن ناحية أخرى فليس واضحاً حتى الآن ما سيكون عليه موقف ميليشيات مصراته (التابعة للباشاغا) وغيرها من الميليشيات الإرهابية والمتطرفة والمناطقية..إلخ، وكلهم يتبعون لتركيا سواء من التشكيلة الحالية لقيادة السلطة الانتقالية، أو من الحكومة حين يتم تشكيلها علماً بأن مسألة حل الميليشيات وترحيل المرتزقة لم يتم تحقيق أي تقدم فيها حتى الآن؛ بل ازدادت تعقيداً.. وليس لها أي سقف زمني محدد الآن.
 وتبقى مشكلة الجيش الوطني (بقيادة حفتر) إحدى المشكلات الأكثر تعقيداً، فزعماء «الوفاق» و«الإخوان» والميليشيات الأخرى يطالبون بمعاملته كميليشيات، وحله، إلى جانب أن منصب القائد العام ليس موجوداً في الدستور الحالي أصلاً (والشرق) لا يمكن أن يسلم سلاحه، وهو ما يبدو أمراً بعيداً وهذه كلها تحديات يتعين التغلب عليها؛ لتستطيع السلطة الانتقالية أن تتسلم مهامها بصورة فعلية.. وإلا فان (التسوية) في ليبيا لا تزال بعيدة.

* كاتب مصري