تحقيق: راندا جرجس

يبدأ النخاع الشوكي من قاعدة الدماغ، وحتى الفراغ بين الفقرة القطنية الأولى والثانية، ويمر من خلال قناة العمود الفقري، ويكون طوله حوالي 45 سم، وتتمثل وظيفته في نقل النبضات العصبية من الدماغ إلى الأعصاب الفرعية، والإشارات الكهربائية إلى العضلات، وتعتبر إصابات النخاع الشوكي مصدراً رئيسياً لعدم القدرة على الحركة مدى الحياة، وتستهدف الذكور أكثر من الإناث، وتعدّ الحوادث السبب الأكثر شيوعاً لهذه المشكلات، بالإضافة إلى العدوى والأورام وأمراض التصلب المتعدد أو مضاعفات العمليات الجراحية، ويحدثنا في السطور القادمة مجموعة من الخبراء والاختصاصيين عن هذا الموضوع تفصيلاً.

يقول الدكتور باسل الشريف، استشاري جراحة العمود الفقري، إن الضغط أو اعتلال النخاع الشوكي من الإصابات التي تجعل المريض يفقد القدرة على المشي بشكل منتظم أو متوازن، ويتسبب بحدوث آلام يمكن أن تنتهي بحالات الشلل أو عدم الحركة، ويضطر بعض المصابين إلى استخدام الكرسي المتحرك، وتتفاقم الحالات، وربما تصل المضاعفات إلى التبول اللاإرادي، ويمكن أن تنجم مشكلات الضغط على النخاع الشوكي نتيجة عوامل كثيرة ومتعددة، مثل: الحوادث وكسور الفقرات، إصابات الأربطة وتمزق الغضاريف، وتسبب حالات الشلل أو فقد الإحساس بالأطراف مع عدم إمكانية المشي أو الحركة، ويمكن أن يحدث الانضغاط الشوكي نتيجة الانزلاق الغضروفي، وخاصة عندما يكون حجمه كبيراً.

ويضيف: يمكن أن تضيق قناة النخاع الشوكي بسبب تآكل الغضاريف؛ حيث إن الجسم في هذه الحالة يقوم ببناء عظم ليثبت الفقرات، وتسمى «الارتفاق»، أو بسبب الالتهابات البكتيرية للغضاريف أو الفقرات، بالإضافة إلى حالات التشوه أو التحدب.

أعراض الانضغاط

يوضح د. باسل أن أعراض الضغط على النخاع الشوكي تبدأ بالتنميل في الأصابع أو الأقدام، وعدم التوازن أو الترنح أثناء المشي، وربما يرافق هذه الحالة بعض العلامات الأخرى مثل: الإحساس بالألم وتخدر باليدين، الشعور بالضعف عند ممارسة بعض المهام مثل الكتابة، أو أثناء تناول الطعام أو ارتداء الملابس، ويتم التشخيص عن طريق فحص المريض وقوة ردة الفعل خاصته، والاطلاع على التاريخ الطبي، وإجراء الرنين المغناطيسي لتوضيح قناة النخاع الشوكي بشكل دقيق، بينما تعمل الأشعة على توضيح وضعية الفقرات، أو وجود تشوهات أو تحدب أو انزلاق بفقرات العمود الفقري، وفي بعض الحالات يمكن عمل صورة (CT) لفهم التغيرات الموجودة بالعظم، كما يعتبر التشخيص الفيزيولوجي العصبي مهماً لقياس حالة السيال العصبي.

خطة العلاج

يلفت د.باسل إلى أن زيادة الضغط على النخاع الشوكي، من المشكلات التي يصعب على المريض تجاوزها، حتى في حال إجراء عملية جراحية؛ لذا يجب الذهاب للطبيب المختص عند الشعور بأحد الأعراض المذكورة أعلاه، حتى يمكن التدخل بشكل مبكر؛ حيث إن بعض الحالات تحتاج إلى التدخل الجراحي لإزالة الضغط الميكانيكي عن النخاع الشوكي، عن طريق الخضوع لعملية ترميمية لإرجاع الثبات للعمود الفقري.

فئة مستهدفة

يذكر الدكتور راجيش غارغ، مختص أمراض العظام، أن النخاع الشوكي يعتبر الجزء الأكثر أهمية في الجسم، فهو المسؤول عن إرسال جميع إشارات الدماغ إلى الأطراف والأعضاء الحيوية؛ ولذا فإن أي ضرر لهذه المنظومة العصبية يمكن أي يتسبب بألم وعدم استقرار في الظهر أو أثناء السير أو الوقوف لفترة طويلة، وفي الحالات الشديدة، يمكن أن يتسبب في شلل الأطراف أو نظام الأمعاء والمثانة، وترتبط إصابات العمود الفقري بشكل وثيق مع مشكلات النخاع الشوكي.

مشكلات مرضية

يوضح راجيش أن البدناء بمؤشر كتلة جسم يزيد على 35 مع بنية جسدية متوسطة، هم أكثر الأشخاص عرضة لأمراض الفقرات، وكذلك ذوو الأجسام أسطوانية الشكل وطوال القامة؛ لأن لديهم ميلاً أكبر للتراخي، بسبب تمدّد الأربطة الخلفية، ومن يتعرضون أيضاً لإجهاد العضلات أو الأربطة؛ حيث إن رفع الأحمال الثقيلة بشكل متكرر أو الحركة المفاجئة يمكن أن يؤدي إلى شد العضلات الخلفية وأربطة العمود الفقري، وينجم عن هذه الحالة تشنجات مؤلمة، وآلام أسفل الظهر ويمتد للأرجل، والشعور بتنميل أو وخز في الأطراف.

فحوص واختبارات

يبين د.راجيش أن فحص المريض سريرياً ومعرفة التاريخ المرضي، وعمل الاختبارات العامة، والأشعة السينية، والتصوير بالرنين المغناطيسي من أهم وسائل التشخيص التي يعتمد عليها تحديد نوع وخطة العلاج، ففي الحالات البسيطة يتم استخدام الأدوية والعلاج الفيزيائي، ووصولاً إلى إجراءات العلاج في مراكز الرعاية مثل: إعطاء ستيروئيدات فوق الجافية، وتخفيف الضغط على القرص بتقنية «نيوكليوبلاستي»، وفي حالات أخرى يتطلب الأمر إجراء الجراحة المفتوحة، مثل جراحة دمج الفقرات ووضع الغرسات.

وظائف متعددة

يشير الدكتور ويليام دي مايو، استشاري العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، إلى أن النخاع الشوكي يمتد من قاعدة الجمجمة إلى منتصف وأسفل الظهر، ويمكن أن يتعرض للتلف بسهولة؛ ولذا فهو محمي في القناة الشوكية العظمية التي تمتد خلف فقرات العمود الفقري، كما يعتبر النخاع الشوكي امتداداً للدماغ؛ حيث إنه يعالج النبضات العصبية بطريقة معقدة للغاية، وهو مسؤول عن إدارة ملايين ردود الأفعال التي تسمح لنا بالحركة والعمل، وتجدر الإشارة إلى أن النخاع الشوكي لا يمكن إصلاحه ببساطة مثل العظام أو الأعصاب أو العضلات.

مضاعفات ومخاطر

يلفت د. ويليام إلى أن إصابات النخاع الشوكي تتراوح بحسب تأثيرها الجزئي أو الكلى على المصاب، وعادة ما تسبب فقدان الإحساس في الأطراف.

وتتراوح المضاعفات ما بين شلل نصفي في منطــــقة الساقين، أو شلل رباعي فــــي الذراعـــــين والقدمين، بالإضــــافة إلى حدوث تشنجات عضلية لا إرادية، آلام عصبية، وفـــقدان السيطرة علــى الأمعاء والمــــثانة، وعدم انتظــــام القـــــدرة على التحكم في الوظــــائف، مثل معدل ضربات القلب وضغط الدم والتعرق وتنظيم درجة الحرارة.

تقنيات حديثة

يؤكد د. وليام على أن التقنيات الجديدة التي تعمل على تقليل الضرر الناجم عن التفاعلات الكيميائية الخلوية بعد إصابات النخاع الشوكي، ما زالت قيد التطوير، ويجري البحث في علاجات الخلايا الجذعية، ولكنها لا تقدم حلولاً بعد، ويجب أن يدرك المرضى أن بعض هذه التقنيات تنطوي على خطر تدهور الوظيفة بالفعل.

وتشمل العلاجات الأخرى التي يجري تطويرها أجهزة تقوية «الهيكل الخارجي» التي تسمح للمصابين بالشلل بالمشي، والأجهزة التجريبية التي تعالج النبضات الكهربائية من الدماغ «لتجاوز» الحبل الشوكي من أجل إنجاز مهام بسيطة.

ويضيف: أن عدم الحركة بشكل كامل من أكثر المخاطر التي يتعرض لها المصاب، نتيجة إصابات النخاع الشوكي، ولذلك يلجأ الطبيب المعالج لبرامج إعادة التأهيل المناسبة عن طريق مجموعة من المختصين والممرضين المدربين، التي تُسهم بشكل كبير في استعادة وظائف الأطراف والتكيف مع نمط الحياة الجديد، حتى في غياب التعافي العصبي.

تكلس المربط الخلفي

يعتبر مرض تكلس المربط الخلفي من المشكلات التي تزيد حجم الضغط الشدي على النخاع الشوكي، وتحدث هذه الحالة مع التقدم في العمر، عندما تنقص كمية السوائل في الفقرات، وتؤثر على مرونتها، وينجم عنها الشعور بآلام شديدة في الظهر وعند الحركة، ويحتاج معظم المصابين للعلاج بالتدخل الجراحي بنسبة 90%؛ حيث يقوم الطبيب المختص بإزالة الفقرة المتضررة، وتركيب فقرة استعراضية عوضاً عنها؛ لإرجاع الثبات للعمود الفقري للمريض، وبالتالي استقرار الحبل الشوكي، بالإضافة إلى جلسات العلاج الطبيعي، وممارسة الرياضة بشكل منتظم، وتخفيف الوزن.