خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم وجعل خلقه هذا آية دالة على عظيم قدرته وبديع صنعه، ولذلك نجد الأمر منه سبحانه بالنظر والتفكر بقوله تعالى: «فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ» (الطارق: ٥)، وكل هذا لكي يتعرف الإنسان إلى ربه ويشهد بأنه الإله الحق.
يقول د. زغلول النجار في كتابه: «الإعجاز العلمي في السنه النبوية»: «جاءت نصوص من الكتاب والسنة لترشد الإنسان إلى بعض أسرار خلقه وتعينه على النظر والتفكر ومن ذلك أحاديث عجب الذنب التي أخبرنا فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن حقائق علمية بالغة الأهمية وهي أن الإنسان يركب خلقه من (عجب الذنب) عند تكون الجنين وأن هذا العظم لا يبلى ويعاد خلقه منه يوم القيامة».
«وجاءت بعض الأحاديث مخبرة عن عجب الذنب فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب».
الشريط الأولي
وقال رسول الله أيضاً: «إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يركب يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: عجب الذنب».
والعجب (بالسكون) هو العظم الذي في أسفل الصلب، يقول النووي: «عجب الذنب (بفتح العين وإسكان الجيم) أي العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب وهو رأس العصعص وهو أول ما يخلق من الآدمي وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه وبعثه».
ومن خلال الأحاديث السابقة نجد أنها إشارات إلى ثلاثة أمور:
١- أن الإنسان يبدأ خلقه في مرحلة التكوين من عجب الذنب.
٢- أن عجب الذنب لا يبلى ولا تأكله الأرض.
٣- منه يعاد خلق الإنسان يوم القيامة.
وقد أوضح «علم الأجنة الحديث» أن عجب الذنب هو الشريط الأولى الذي يتكون إثر ظهور الجنين بكافة طبقاته وخاصة الجهاز العصبي ثم يندثر هذا الشريط ولا يبقى منه إلا أثر يسمى عظم العصعص «عجب الذنب».
تكوين الخلايا والأعضاء
يبدأ تكون الجنين بالتقاء المنوي القادم من ماء الرجل والبويضة ويقوم بتلقيحها فتكون النطفة الأمشاج «الزيجوت»، وبعد ذلك تبدأ عمليه الانقسام إلى خليتين، وكل خلية تنقسم إلى خليتين وهكذا يستمر الانقسام وتكاثر الخلايا في الجنين، وفي اليوم السابع بعد التلقيح تبدأ النطفة في الانغراس في جدار الرحم وتستمر في الانقسام وتكوين الخلايا حتى تكون كتلتان من الخلايا.
١- كتلة خارجية تحتوي على الخلايا الآكلة تقضم جدار الرحم وتثبت الكرة الجرثومية وتغذيها مما يتكون حولها من الدماء والإفرازات الموجودة في غدد الرحم.
٢- الكتلة الداخلية التي يتكون منها الجنين بإذن الله تعالى وهذه هي التي بدورها تنقسم إلى ورقتين: خارجية تدعى الاكتودرم، وأخرى داخلية.. تسمى الانتودرم.
وفي اليوم الرابع عشر تنشط خلايا الاكتودرم في الجزء المؤخري مكونة الشريط الأولي الذي يظهر لأول مرة في اليوم الخامس عشر منذ بدء التلقيح ويظهر انقسام سريع ونمو متكاثر في الشريط الأولي وتهاجر الخلايا بين طبقة الأكتودرم الخارجية وطبقة الانتودرم الداخلية مكونة طبقة جديدة هي الطبقة المتوسطة «الميزودرم» وبظهور الشريط الأولي يبدأ تكون الجهاز العصبي والنوتوكورد «العمود الفقري» ويشهد الجنين بداية تكوين الأعضاء.
ومرحلة تكوين الأعضاء لا تبدأ إلا بعد تكون الشريط الأولي والميزاب العصبي والكتل البدنية وتستمر بداية الأسبوع الرابع إلى نهاية الأٍسبوع الثامن؛ بحيث يكون الجنين في نهاية هذه الفترة قد استكمل وجود جميع الأجهزة الأساسية فيه وتكونت أعضاؤه ولم يبق إلا التفصيلات الدقيقة والنمو.
ضد الاندثار
وهذا الشريط ذو أهمية بالغة لأن نشاطه الجم يؤدي إلى تكون النوتوكورد «العمود الفقري» والطبقة المتوسطة الداخلية «ميزودرم» وبعد انتهاء الشريط الأولي من مهمته في الأسبوع الرابع يبقى كامناً في المنطقة العجزية «العصعصية» في الجنين ثم في المولود ويندثر ما عدا ذلك الأثر الضئيل الذي لا يرى بالعين المجردة.
اكتشف العلماء أن الذي يقوم بالتخليق والتنظيم لجميع خلايا الجنين هو الشريط الأولي.. وأول من اكتشف ذلك من العلماء هو العالم الألماني الشهير «هانسن سبيمان» وقام هذا العالم الألماني في عام ١٣٩١ بسحق هذا المنظم الأولي وزرعه مرة أخرى في جنين آخر فلم يؤثر السحق؛ حيث نما مرة أخرى وكون محوراً جنينياً ثانوياً على الرغم من سحقه ولم تتأثر خلاياه.
وفي عام ٣٣٩١ قام هذا العالم وعلماء آخرون بغلي هذا المنظم الأولي وزراعته بعد غليه فشاهدوا نمو محور جنين ثانوي ولم تتأثر خلاياه بالغليان، وقد نال العالم الألماني «سبيمان» جائزة نوبل عام ٥٣٩١ على اكتشافه للمنظم الأولي وأجريت تجارب أخرى في المجال نفسه وتوصلت إلى النتيجة ذاتها، ومن ذلك توصل مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب إلى استحالة إفناء عجب الذنب كيميائياً بالإذابة في أقوى الأحماض أو فيزيائياً بالحرق أو بالسحق أو بالتعريض لأشعات مختلفة وغيرها الكثير من التجارب التي تؤكد أن عجب الذنب لا يبلى؛ بل يظل محتفظاً بخصائصه وقدرته على التخليق حتى في أصعب الظروف.
إنه الوحي الصادق
ويتضح جلياً وجه الإعجاز من خلال اكتشافات العلم الحديث الذي أكد أن الإنسان يبدأ خلقه وتركيبه في اليوم الخامس عشر من عجب الذنب ويعمل على تكوين أجزاء جسم الإنسان ثم يرجع فيستقر في نهاية العمود الفقري في العصعص وأظهرت التجارب أن عجب الذنب يبقى محافظاً على خواصه حتى لو تعرض للحرق والطحن وتمكن العلماء من ملاحظة قدرته على إعادة عملية التخليق إذا تعرض لبعض المؤثرات ويشكل ما يشبه الجنين.
وكل هذه الحقائق احتوتها الأحاديث النبوية الشريفة ولم تتوصل العلوم التجريبية إلى معرفتها إلا بعد مئات السنين بعد حيازة التقنيات الحديثة وعلى مراحل مختلفة من تطور تلك التقنيات حتى أمكن الحصول على هذه الحقائق العلمية التي أخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ موجز يحوي في طياته جوامع الكلم، فلا يمكن لعاقل أن يتصور مصدراً لهذه الحقائق العلمية قبل أكثر من ألف وأربعمئة سنة غير وحي صادق من الله الخالق الذي خلق فأبدع.. وألهم خاتم أنبيائه النطق بهذه الحقائق ليؤكد صدق نبوته ورسالته.