القاهرة: «الخليج»

في عام 1934 عرضت مسرحية «الحورية الهاربة» وحققت نجاحاً منقطع النظير على المستوى الجماهيري، وأجمع النقاد على أنها من أفضل الأعمال المسرحية التي عرضت على مسارح إسبانيا في القرن العشرين، وقد نال عنها المؤلف «جائزة لوبي دي فيجا»، وهي أعلى الجوائز التشجيعية للمؤلفين المسرحيين في إسبانيا.

في هذه المسرحية اختار المؤلف أليخاندرو كاسونا طريق الخيال الشعري، واستطاع إخضاع العالم الوهمي للعالم الحقيقي، كما أن المسرحية لا تنطلق من الخطط الأيديولوجية والفنية التي كانت سائدة في تلك الفترة. ابتعد كاسونا واختلف عن المجددين، وبحث عن أكبر عدد من الجمهور، مثلما فعل لوركا ورفائيل ألبرتي.

انتهج كاسونا طريقة جديدة تقوم على المزاوجة بين الواقع والخيال في بعض أعماله المسرحية، مثل «ممنوع الانتحار في فصل الربيع»، و«الأشجار تموت واقفة» وفي هذه الأعمال وغيرها ينطلق من الواقع، وبعد أن يتجاوزه، يعود إليه لكي يثبت أنه هو الذي ينتظر ويفرض نفسه.

أحلام بلا عوائق

كانت فلسفته تكمن في أنه إذا كانت الحياة الحقيقية لا تسعد الإنسان، فمن حقه أن يبحث عن السعادة في عالم الخيال، حيث يستطيع أن يحلم كما يحلو له، دون أن يعترضه أي عائق، لكنه يعود ليؤكد أن الواقع هو الذي يفرض نفسه، ودون أن يلجأ إلى تهويل الخرافة، أو ترك الخيال سارحاً منطلقاً، بغير قيود.

ويلاحظ أيضاً في مسرح كاسونا، رفض القيم السلبية للروح كالحقد والأنانية والحسد والصغائر والنفاق، والحب دائماً ممكن في مسرحه، فهو ليس تراجيدياً على طريقة لوركا؛ بل مؤلف مؤمن بالخير وبالقيم الإيجابية لحياة الإنسان، ومتفائل عميق الاعتقاد في أن الخير هو الطريق المؤدي إلى السعادة.

في مسرحيته «ممنوع الانتحار في فصل الربيع» يعيش رجل العلم معذباً؛ لأن أغلب ذويه انتحروا وهم في ريعان الشباب، ويقوم بشراء منزل في الجبل ويكرس وقته للدراسة والرياضة البدنية والروحية، وسماع الموسيقى، وعليه عاش حتى سن السبعين، وترك كل ثروته لأحد تلاميذه وطلب منه أن يؤسس داراً يطلق عليها «دار المنتحرين» مهمتها التقاط هؤلاء المعذبين الذين يريدون وضع حد لحياتهم.

وفي الوقت الذي يبدو فيه أن كل شيء في الدار يدعو إلى موت إرادي جميل ومريح، إلا أن الرواد عندما يرون سهولة الموت يؤخرون عملية الانتحار، وتبذل الدار جهداً في حل عقدهم النفسية، وبالفعل نراهم يستمعون إلى الموسيقى، ويتشبثون بالحياة، ويخرجون من الدار، وقد تسرب إلى نفوسهم حب الحياة.

سيرة

ولد أليخاندرو كاسونا في الثالث والعشرين من مارس عام 1903 وتنقلت أسرته بين أماكن عديدة، منها مدينة مرسية التي عاش فيها خمس سنوات، وبدأ التمثيل مع أصدقائه على مسارح القرى المجاورة، وفي عام 1922 انتقل إلى مدريد وأنهى دراسته في مدرسة المعلمين العليا عام 1926 وعين مدرساً، وفي عام 1930 نشر ديوانه الشعري الأول (نادي الضفدع) على نفقته الخاصة، ثم كتب مسرحيته «الحورية الهاربة».

تم تعيينه مديراً لمسرح الشعب، وكذلك مديراً للمسرح المتجول، وقام بعرض بعض الأعمال المسرحية لجمهور القرى، واستمرت هذه الفترة خمس سنوات، كانت من أخصب سنوات عمره، استفاد خلالها من كثير من الخبرات، واطلع على أعمال كبار كتاب المسرح، وبعد عرض «الحورية الهاربة» أصبح بين عشية وضحاها واحداً من أشهر كتاب المسرح في إسبانيا، وبدأ الناس يرون فيه واحداً ممن عُقد عليهم الأمل في تجديد المسرح الإسباني، الذي كان يمر في ذلك الوقت بأزمة شديدة.

رحالة

 استقال كاسونا من وظيفته، وتفرغ للكتابة المسرحية، ونشبت الحرب الأهلية الإسبانية في 12 يوليو عام 1936 وقضت على كثير من الفرق المسرحية، وفي هذه الفترة سافر كاسونا إلى أمريكا اللاتينية، كان يخرج ويمثل ويكتب، واستمرت هذه الرحلة عامين، عرض خلالهما أعماله في المكسيك وفنزويلا وبيرو وشيلي، والأرجنتين وكوبا وبورتوريكو، وفي تلك الفترة كانت الأرجنتين مكان إقامته.

ومنذ عام 1956 أحس برغبة شديدة في العودة إلى بلاده؛ لأنه كان يخشى أن يؤثر بعده عنها في أعصابه وروحه وأحاسيسه، ويفقد سعادته الأخيرة، فقرر أن يعود إلى إسبانيا عام 1958 واستقر في مدريد، وبدأت المسارح تتهافت على عرض أعماله القديمة والجديدة، وقام بتكوين فرقة مسرحية تحمل اسمه، واستأجر أحد مسارح مدريد من أجل عرض أعماله.

شبح الموت

كان كاسونا يعاني ضيقاً في الشريان التاجي، ما سبب له إغماءات، كانت تصل أحياناً إلى درجة الموت؛ الأمر الذي جعله يقرر إجراء عملية جراحية حدد لها 13 يوليو عام 1965 وبعد أن ظن أصدقاؤه أن شبح الموت قد مر بعيداً، انتقل كاسونا، فجأة إلى المستشفى، بعد أن تدهورت صحته، وتوفي في 17 سبتمبر، ونقل جثمانه إلى «مسرح لارا»، حيث قام بوداعه مئات الآلاف من محبي فنه، وفي اليوم التالي نقل رفاته إلى مدافن مدريد، وسط حشد جماهيري كبير من رجال الدولة والمخرجين والمؤلفين والممثلين والصحفيين، وبهذا بكت إسبانيا مؤلفها المسرحي الذي استطاع أن يرفع راية الأدب الإسباني في أنحاء العالم.