الشارقة: جيهان شعيب

منذ خمس سنوات، وتحديدا يوم 6 ابريل من عام 2016، ودع الحياة خلفان بن محمد الرومي السياسي الرصين، والمثقف الواعي، صاحب المسيرة الحافلة بالمواقف والعطاءات الوطنية، الرجل المحنك، صاحب البصمات الباقية ابد الدهر في كيان إمارات زايد الخير، بداية من معاصرته بفعالية وإخلاص مراحل قيام الاتحاد، ومشاركته في لجان التحضير لتأسيس الدولة، وفي اللجنة التي وضعت دستورها، وعضويته في الوفد الذي شارك في اجتماع جامعة الدول العربية، لانضمام الإمارات إلى عضوية الجامعة، ومناقشة قضية احتلال جزر الإمارات، إلى دوره الكبير في بناء ونهضة مؤسسات الدولة، فضلا عن إنجازاته الاقتصادية، والثقافية، والعلمية، داخليا، واقليميا، ودوليا، على مدار مسيرته العملية رفيعة المستوى.

أول المناصب

 فمنذ أول منصب تولاه، رحمه الله، بعد قيام دولة الاتحاد، وهو وكيل في وزارة التربية والتعليم، إبّان تولي الراحل الدكتور عبدالله عمران تريم، وزارة التربية، بعد التشكيل الثاني عام 1973، فوزير لوزارة الصحة في عام 1977، ثم وزير للعمل والشؤون الاجتماعية عام 1983، إلى أن تولى حقيبة وزارة الإعلام والثقافة في التشكيل الوزاري الخامس عام 1990، كما شغل منصب رئيس جائزة الثقافة العربية، وارتبط اسمه مع الراحل د. عبد الله عمران تريم بتأسيس الإعلام الإماراتي إبان الاتحاد، وشارك أيضاً في العديد من المؤتمرات، والاجتماعات الخليجية، والعربية، والإسلامية، والعالمية.

وبالعودة تفصيلاً لمناصب، وإنجازات، وحياة، ونشأة، خلفان بن محمد بن خلفان الرومي، وهو شقيق مريم الرومي وزير الشؤون الاجتماعية السابقة، ووالد عهود الرومي وزيرة دولة للتطوير الحكومي والمستقبل، نجد أنه ولد في 5 يناير «كانون الثاني» 1946، في إمارة الشارقة، وحصل على بكالوريوس التاريخ من جامعة بغداد عام 1964، وكان من أوائل حملة الشهادات الأكاديمية الذين تلقوا تعليمهم ضمن أوائل البعثات التعليمية الذين أوفدوا إلى العراق لطلب العلم، وبعد عودته إلى الإمارات، عين مدرساً في مدرسة حطين عام 1968، ثم نائباً لمدير دائرة المعارف في الشارقة، ومسؤولاً لتعليم الكبار.

 عطاء كبير 

وتمثل عطاؤه السياسي في كثير من الإنجازات داخل الدولة وخارجها، منها مشاركته في أعمال اللجان الاتحادية التي كانت تعد القوانين والأنظمة لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، كما اختاره المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ليكون عضواً في الهيئة التي كلفت بزيارة الدول الخليجية، والعراق، وسوريا، والأردن، ولبنان قبل أشهر قليلة من قيام اتحاد الإمارات، وذلك لنقل وجهة نظر الشيخ زايد في ما يتعلق بمجريات الأمور، وإبلاغ هذه الدول بمشروع قيام الدولة، كما كان عضو الوفد للانضمام لجامعة الدول العربية، ومناقشة قضية الجزر المحتلة، وعضو لجنة إعداد مشروع الدستور الدائم، وعضو لجنة شؤون الموظفين بالدولة، وعضو لجنة التشريعات، وأيضاً شارك في عضوية لجان مختلفة لمناقشة كثير من القضايا، وشارك في عدد من المؤتمرات واللقاءات بمعيّة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وترأس وفوداً رسمية عدة، لدى المنظمات العالمية والعربية، والدول الأخرى.

إلى جانب ذلك كان الراحل عضواً في مجلس الأمناء لكليات التقنية العليا، واللجنة العليا للانتخابات للمجلس الوطني الاتحادي، في الدورتين الأولى والثانية، وأيضاً كان الراحل رئيساً، ونائب رئيس، وعضواً في بنوك عدة، منها بنك الشارقة الوطني، وبنك الخليج الأول، وبنك الاستثمار، ورئيس مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية، وكانت رئاسة مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية، آخر المناصب التي تقلدها الراحل خلفان الرومي، حيث كان من المواكبين لتأسيسها في دبي، منذ اللحظات الأولى، وقدّم الكثير من المقترحات التي أسهمت في تطويرها، منذ انطلاقها عام 1999، حيث شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، وفي التشكيل الثاني ترأس مجلس إدارة الجائزة، واستمر في ذلك المنصب حتى رحيله.

كلمات حق

ويوم وفاة الرومي، نعته قيادة الدولة، بكلمات حق مؤثرة، حيث كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، على حسابه على «تويتر»: «نعت دولة الإمارات فقيد الوطن خلفان محمد الرومي، أحد رجال الوطن الأوفياء، وأحد رفقاء زايد وراشد في مسيرة البناء، إنَّا لله وإنا اليه راجعون، خلفان محمد الرومي أعطى للوطن سنوات طويلة من حياته، ومن عطائه وطاقته واجتهاده، وأورث حب الوطن وخدمته لأبنائه، نسأل الله أن يتقبله في الصالحين».

وقال سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي: «نعت دولة الإمارات رجلاً من رجالها الأوفياء، الوالد خلفان محمد الرومي رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، والوالد خلفان محمد الرومي أحب أرض وطنه فأحبته، وسار مع الرعيل الأول في مسيرة البناء والتطوير، نسأل الله المغفرة له والصبر والسلوان لأسرته».

وفي كلمة تأبين للراحل من سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، قال: «معلمي خلفان الرومي، عندما بدأتُ عملي في وزارة الإعلام والثقافة في التسعينات، كنتُ كأي شاب متحمس ومندفع للعمل، كُنتُ أظنني قادراً على تغيير العالم كأي فتى مقبل على الحياة، إلا أنني كنتُ محظوظاً بمدير عاقل خبر الحياة كثيراً، لم يُكسّر طموحاتي على صخرة الواقع، بل تبنّى ذلك الحماس واحتواه، بحكمة الأب، وبخبرة المعلم الذي يتمنى أن يصبح تلامذته ناجحين في حياتهم، لم تكن عندي خبرة في العمل حينها، فكان أبو فيصل هو المعلم الذي استفدتُ من معرفته كثيراً، والموجه الذي كان يُصحح أخطائي بابتسامة، وكلمات مُشجّعة».

كما قدم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، واجب العزاء في وفاة المغفور له بإذن الله تعالى خلفان الرومي، خلال زيارة سموه لمجلس العزاء بمنطقة السويحات في الشارقة، كما قدم العزاء إلى جانب سموه، سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، وأعرب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن صادق تعازيه ومواساته لأشقاء وأبناء وأسرة الفقيد، داعياً الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان، كما قدم العزاء في الراحل سمو الشيخ محمد بن حمد بن محمد الشرقي ولي عهد الفجيرة، وعدد من الوزراء والمسؤولين. 

ووصف الدكتور أنور قرقاش، الراحل خلفان الرومي، بأنه نموذج لجيل أعطى عمره للإمارات في مراحل التأسيس الصعبة، وأحد أبناء الإمارات البررة، الذي أحبه كل من عرفه أو رافقه، وكان قد قال في تغريدات له على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «إن الموت غيّب المربي الفاضل، والسياسي الحكيم، والرجل المتواضع، بعد حياة مليئة بالإنجازات الوطنية».

إرث كبير

منذ رحيل خلفان الرومي لم تنقطع كلمات محبيه، ومعايشيه، ومعاصريه، ومن بعضها كلمات خطها يومها محمد خليفة، جاء فيها «الراحل الكبير خلفان الرومي خدم الوطن بكل أمانة، وترك إرثاً ثقافياً كبيراً، لقد عرفته عن قرب عندما كان وزيراً للإعلام والثقافة، وكنت أنا مديراً لمركز التوثيق الإعلامي لدول مجلس التعاون في وزارة الإعلام، فقد كان رئيساً وأخاً ومعلماً، وكان- رحمه الله- لا يحب أن يثقل على الناس في أحاديثه، وكان يخلط الكثير من المواضيع المهمة، بروح الفكاهة، وأذكر أنه كان، رحمه الله، في أحد الاجتماعات، فتقدم أحد الزملاء إليه بكشف لإنهاء خدمات بعض الموظفين، فقال: «حاولوا أن توزعوا هؤلاء على الأقسام، لأني لا أريد أن أكون سبباً في قطع رزق إنسان إلا أن يكون مستحقاً لذلك».

وعندما ترك الوزارة كان دائماً يسأل عني، وطلب مني مرافقته لزيارة المملكة المغربية، برفقة أخيه وصديقه عبدالله عمران تريم، وطلب مني يوم الجمعة مشاركته في توزيع المساعدات على بعض الأيتام في بعض الجمعيات الخيرية المغربية، وقال لي «إن رعاية الأيتام واجب مقدس»، كان يرجو عظيم الثواب الذي أعده الله للمتصدقين، وكان يفعل ذلك في الخفاء، لعل عزاءنا في رحيله أنه سيظل في قلوب أبناء وطنه، عامراً ذكره بصادق الدعاء، أن يتغمده الله سبحانه وتعالى في واسع رحمته، وأن يسكنه جنته.

المراثي لا تتسع لمثلك

في رثاء يرفل في مشاعر الافتقاد، والحنين، والفخر، جاءت كلمات عهود خلفان الرومي عام 2017، في ذكرى مرور عام على رحيل والدها، حيث قالت: الحاضر رغم الغياب، أكتب لك بعد عام من الرحيل كنت فيه الحاضر الغائب، سنة مضت ومشاعر ووحشة وحزن على غيابٍ ما زلنا، أنا والعائلة، نحاول التأقلم معه بالرضا، والتسليم بقضاء الله وإرادته، لكن دموعي تغالبني، أكتمها متى استطعت، وتغلبني كثيراً، كلما مررت أمام صورتك في مجلسنا العائلي، وكلما ذكر لي محبّوك موقفاً، أو حضرت سيرتك الطيبة في مناسبة، أو موقف.

لست هنا لأرثي غيابك عنا، فكل المراثي لا تتسع لمثلك، إنما لأستحضر روحك الطيبة الإيجابية المتفائلة التي ألهمتنا وعلمتنا جميعاً، ولا نزال نتعلم منها.

أنت معي يا والدي في كل موقف ولحظة.. أستحضر حكمتك، حلمك، بُعد نظرك، نفاذ بصيرتك، نصائحك وصلابة عزيمتك تعززني، لأواجه تحديات الحياة والعمل بثقة، وإيجابية، وابتسامة، أتذكرك، وأتذكر عبارتك الجميلة «كله خير»، وتركيزك دائماً على التمسك بالأخلاق، والنبل، والمحبة، مهما كانت الظروف، والنظر إلى الأمور بروح الخير، والتفاؤل، والإيجابية.

عبدالله عمران وخلفان الرومي.. شريكان في الدنيا والآخرة

جمعت صداقة وثيقة الركائز والروابط بين الراحلين المرحوم الدكتور عبد الله عمران تريم، وخلفان الرومي، فكانا معا متوحدي الفكر، والتوجه، والكلمة، والمسعى، والهدف، والقرار، واشتركا معاً في إعلاء مكانة الدولة، والنهوض بمقدراتها، من خلال مواقعهما المختلفة التي شغلاها، بقوة، وإخلاص، وتفانٍ، وأمانة، كما كانا سنداً لبعضهما، دون أن يخل أحدهما بالتزامه الأخوي، والأدبي، تجاه الآخر، وكان د. عبد الله عمران شديد الحزن عندما علم بمرض خلفان الرومي قبيل رحيله، وكان يدعو له بالشفاء، آملاً في جلاء الألم عنه، فيما كانت الأقدار تكتب رحيل د. عمران قبيل صديقه، فبكاه طويلاً، ولم ينسه يوماً، وكان دائم الحديث عنه بالخير، والود، والافتقاد، مع السرد الدائم لمواقفهما معاً، وذكرياتهما، ومواقفهما الواحدة، وحبهما الصادق لأرض بلدهما الإمارات، التي قاما بدور كبير في تدعيم أعمدتها، وتعزيز وتكريس مكانتها.

وكان كل منهما مؤثراً في حياة الآخر بدرجة كبيرة، وتوثق ارتباط كل منهما بالآخر، من خلال عشق بلاط صاحبة الجلالة، الصحافة الإماراتية، التي عمل فيها معاً، وأسساها في دولة الإمارات، حيث الراحل د. عبدالله عمران أسس «جريدة الخليج»، وجعلها مؤسسة، ومنبراً إعلامياً شامخاً، وعريقاً، كان ولايزال يؤسس أصول المهنة، ويكرس مبادئها، وأخلاقياتها، ولطالما اجتمعا -رحمهما الله- في « الخليج» في جلسات نقاش مهنية واعية، تبادلا فيها الرأي والرؤى، والأفكار، والخطط، فيما نهض خلفان الرومي، بجائزة الصحافة العربية، وكرس مكانتها على الساحة الإعلامية داخل الدولة وخارجها.

استمرت صداقتهما العمر كله، حتى كتب لهما أن يكونا شركاء في الحياة والآخرة، رحمهما الله.