أعزائي قراء «الخليج» الغراء: في المقالات التي نقدّمها لكم يومياً خلال شهر رمضان المبارك، موضوعات مهمة ذات علاقة بأسرار الكون في القرآن الكريم، ستشتمل على إشارات علمية دقيقة ومفاهيم فيزيائية وفلكية عن الكونين المرئي والحقيقي ومحتواهما.

سنبدأ بالكون الحقيقي ثم الكون المرئي، بما في ذلك الأجرام السماوية العملاقة نزولاً إلى الأجرام السماوية الصغيرة مثل الأرض والقمر وعلاقة الإنسان بهما فلكياً وكيف وصفت بآيات كريمات في القرآن الكريم.ومن وجهة نظر مختص في علوم الفضاء والفلك، أود أن أقول: عندما يصل الإنسان ذروة تحصيله العلمي والمعرفي ويحقق جليل المواقع الأكاديمية والمؤسسية ثم يكتشف أنه لما يزل في نقطة البداية، فإن هذا يعني أن ثمة إدراكاً من نمط اعترض مفهومه للحياة والعلم معاً، إدراكاً له أبعاد جديدة أو مظاهر مستجدة.عندما أفكر بالكون المرئي والحقيقي (السماوات، والله أعلم، حسب الدراسات الحديثة في فيزياء الفضاء الفلكية) ومحتواه (المجرات والنجوم والكواكب والمادة والطاقة) أجد نفسي أربط الظواهر الكونية العجيبة بآيات القرآن الكريم الدالة على خلق الله سبحانه وتعالى وعظمته الفائقة، وترتسم في ذهني، عملياً وعلمياً وتفكيراً، مئات الصور ذات الوشائج التي تشد العقل إلى العلم من جهة، وإلى النص القرآني العظيم من جهة ثانية، ولكن ليس على مبدأ المقابلة التفسيرية المجردة أو المكافأة التأويلية المرجحة وحسب، بل على أساس تحديد العلاقة بين الثابت والمتغير في الشكل والجوهر ثم في الشكل إزاء الجوهر.

وأشار القرآن الكريم إلى الكون وظواهره ومحتواه من مختلف الأجرام السماوية في أكثر من 40 سورة. وأفاض بذلك المتحدثون من العلماء والباحثين في أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، إذ فيه الإعجاز اللغوي، التاريخي، البياني، النظمي، التركيبي، الدلالي، التعبدي، الأخلاقي، الاقتصادي، الإداري، الطبي والصناعي، العلمي والتقني، الصوتي والضوئي، فضلاً عن الإعجاز في الطبيعة والكون والمادة والطاقة التي هي موضوعات مقالاتنا التي بين أيديكم.

النص القرآني يحمل مزية تلاقي الشكل بالجوهر من حيث ظواهر الإعجاز: في اللغة، في البيان، في الأرقام، في العلوم، في الطب، في التكنولوجيا، في خلق الكائن الحي، في الكون ومحتواه، فكم من كلمة قرآنية يحسبها قارئها بفهم وهي ليست كذلك،لأن معيار القارئ هذا هو الدارج بين الناس في وقته وبلده، وليس المدلول الذي يهدف إليه القرآن الكريم فعلاً. مثلاً، كلمة «النحاس» أو كلمة من نوع «سائحات» أو «نجم» تدخل مسامع الناس مدخلاً مطروقاً و معروفاً وليس: «دخان من غير نار» بالنسبة إلى النحاس وصائمات أو مهاجرات بالنسبة إلى سائحات وشجيرة من غير ساق بالنسبة إلى نجم مع بقاء المعاني الأخرى غير ممنوعة.

وما أكثر الآيات الظاهرات الكريمات في كتاب الله تعالى التي تدعو إلى التفكر والتفكير (وهي رياضة العقل، سبحان الله ) ولنقرأ الآتي: (فكَّر وتتفكروا وتتفكرون ويتفكروا ويتفكرون) مما ذكره القرآن الكريم: «فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» الأعراف 176.«نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» يونس 24. «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» الرعد 3. «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» النحل 11. «مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» النحل 44 . «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» النحل 69. «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» الروم 21. «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» الزمر 42. «إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» الجاثية 13. «وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» الحشر 21. «وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» آل عمران 191. «إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ» المدثر 18. «أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىا وَفُرَادَىاثُمَّ تَتَفَكَّرُوا» سبأ 46. «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» البقرة 219. ولكن كيف يتم التفكر أو يصير؟ ولماذا ؟ وماذا بعد التفكر في ( يتفكرون)؟ أهو بالتفكير العقلي المجرد أم بالتفكير العلمي التجريبي، أم بهما معاً؟ أظن بهما معاً تحت الإيمان الراسخ بالله وقدرته.

في هذه المقالات المتواضعة ستجدون معلومات قد تكون غير معروفة لدى البعض منكم وبصيغ جديدة، فقد استهدفنا علوم فيزياء الفضاء والفلك والكون (وكذلك ما تسمى بعلوم الفيزياء الفلكية الفضائية) تحت دافع التخصص، وانتهجنا الفكر والتحليل تحت الحاجة إلى المنهج، واستظللنا النص القرآني نبراساً.

انطلقنا من القرآن الذي نزلت آياته الكريمات وعددها 6236 آية ورتبت في 114 سورة، وتدبرنا كثيراً في آياته سبحانه و تعالى وسورها فوجدنا 40 سورة منها تحمل إشارات كونية فلكية جديرة بالإثارة والدراسة المعمقة استرشاداً بقوله تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ» (النحل 89)، ثم قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا» (الإسراء 89).

تُعد الفيزياء الفلكية والفضائية من العلوم المعاصرة دائماً ووصلت إلى درجة عالية جداً من الدقة بكل ما يتعلق بحركات محتوى الكون من مختلف الأجرام السماوية ومعرفة مواقعها وخواصها الفيزيائية وتطورها وبخاصةٍ الأجرام السماوية القريبة مِنَّا مثل الشمس والقمر والمريخ والزهرة ومعرفة مواضعها ونسبة بعضها إلى بعض في كل لحظة. وهذه العلوم (الفلكية الفيزيائية والفضائية) ليست بعيدة عن النص القرآني، ولكن درجة القرب لا يمكن تحديدها من غير عمل متصل. 

ولا شك في أن القرآن الكريم هو كتاب الله المقروء، والكون هو كتاب الله المنظور، وبالرغم من أن كلمة الكون غير واردة في القرآن الكريم، فإنَّ مرادفاتها مثل السماء والسماوات مذكورة في أكثر من سورة وأكثر من آية بشكل يفسر الدقة والحساب والمحتوى، فضلاً عن ذكرها بشكل متلازم مثل «السماوات والأرض» و«الشمس والقمر» و«الليل والنهار» و«الشمس والقمر والنجوم» وهكذا نجد الدقة المتناهية المنسقة في كتاب الله العظيم.

د. حميد مجول النعيمي

مدير جامعة الشارقة 

رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك