تسعى الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب والسيطرة على عقولهم عبر المتاجرة بالمفاهيم، من خلال التفسيرات الخاطئة للنصوص بهدف نشر أفكارها. وتهدف هذه الجماعات لوضع الدين في مقابل الوطن لإحداث حالة من التشتت، وترسيخ مفاهيم مغلوطة، كأن الدين والوطن نقيضان، لضرب استقرار المجتمعات والتهوين من مكانة الأوطان، التي تعلي نصوص الشريعة الإسلامية منها، بل جعلت حب الأوطان جزءاً من عقيدة المسلم.
والمؤكد أن مواجهة هذه الجماعات تبدأ من تفنيد أكاذيبها ومتاجرتها بالدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وبيان أن فقهها يعتمد على فهم خاطئ للنصوص، وشائعات وأكاذيب، وأن هذه الجماعات تهدف لإحداث قطيعة متعمدة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتهوين إنجازاتها بهدف تفكيكها وضرب استقرارها، فهذه الجماعات ترى أن كل ما يساعد على بناء الدولة يضعف كياناتها، لأنها لا تقوم إلا على أنقاض الدول.
تستخدم الجماعات المتطرفة الدين ومبادئه لا للدعوة إلى الإسلام بشكل صحيح، إنما للوصول إلى السلطة، وتحقيق منافع وأهداف نفعية أو سلطوية، ما يمثل جريمة في حق الدين والناس حسب د. نبيل السمالوطي العميد الأسبق لكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر في القاهرة.
ويشير السمالوطي إلى أن هذه الجماعات لا تتورع عن طرد الناس من أوطانهم، أو هدم دور عبادتهم، أو سبي نسائهم، أو استباحة أموالهم، بسبب اختلاف دينهم، أو عدم اتباعهم فكر المتطرفين، وذلك تحت مسمى «الدولة الإسلامية» أو غيره.
ويقول السمالوطي: الإسلام بريء من كل هذا، فديننا يؤكد حق جميع المواطنين وحرياتهم، مسلمين وغير مسلمين، ويحرّم ازدراء الأديان ورموزها والإساءة إلى غير المسلمين، لأن هذا يؤدى إلى هدم السلام الاجتماعي والإنساني، ويؤذى مشاعر أتباع الأديان الأخرى، وهو ما يوجب بيان المعنى الصحيح للمفاهيم، التي تحاول الجماعات المتطرفة من خلال الفهم المغلوط لها أن تثير الفتن والبغضاء مع المسلمين وغيرهم، ما يؤدي إلى الصراع والاقتتال والحروب الأهلية والفتن، وصراع الثقافات والحضارات. قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} الآية 108- سورة الأنعام.
ويؤكد السمالوطي أن جوانب التشوهات الفكرية في فكر الجماعات التي يطلق عليها زوراً وبهتاناً إسلامية، متعددة، وأن بناء الدولة يعد أحد الجوانب التي أصابتها هذه التشوهات. ويضيف: «هذه الجماعات الضالة تتاجر بمفهوم الخلافة، ولا يوجد في الإسلام نظام سياسي محدد، وإن وجدت منظومة قيم تحكم العمل السياسي وغيره، مثل: الشورى، المساواة، العدل، وعدم التمييز بين المواطنين، والحفاظ على أرض الوطن والدفاع عنها، والتنمية لتحسين أحوال المواطنين المعيشية، وحرية التدين والعبادة، أما ربط شرعية نظام سياسي محدد بالدين، واعتبار السياسة ركناً أساسياً من أركان الدين، فهذا وهم وخلط وضلال وإضلال، خاصة الخلافة وهى النظام الذي اختاره المسلمون للحكم بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم باعتباره صيغة لإقرار شرعية الحكم، أما كونها الصيغة الوحيدة للحكم، فهذا بعيد جداً عن الحقيقة، فضلاً عن أن هذا الأمر بعيد أيضاً عن الأركان الأساسية للدين.
ويواصل د. نبيل السمالوطي: الخلافة أحد أشكال الحكم يتغير ويتطور مع المجتمعات حسب ما يحقق المصلحة وما يناسب كل عصر، والهوية الدينية لا يحددها النظام السياسي السائد، لأنه ليس جزءاً من الدين، إن المطلوب والواجب شرعاً وعقلاً وجود سلطة في أي مجتمع لتحقيق الأمن الداخلي والخارجي، والحفاظ على مصالح الناس، وهذا ما حدث داخل البلاد الإسلامية، والسلطة الشرعية أو القانونية داخل أي مجتمع يحددها أبناء المجتمع بإرادتهم الحرة، وهو اتفاق على صون المصالح لا علاقة له بالعبادات والعقائد، وذلك باتفاق كل الوسطيين في كل الأزمنة التاريخية، وهذا يعني أن مصدر السلطة السياسية داخل أي مجتمع هو إرادة أغلبية المواطنين، وهذا التصور التعاقدي الدستوري الحديث جداً، هو ما تحقق في أول دولة أسسها رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم. والخلافة في بداية الإسلام، بعد النبوة، قامت على ما يُطلق عليه البيعة وهى أحد أشكال الانتخابات الديمقراطية بمرجعية الشورى والضوابط الإسلامية، وهذا الشكل هو ما يُطبق بصور ودرجات مختلفة في الغرب والشرق.
ويشدد على أن مخاطر الجماعات الإرهابية الضالة تتمثل في الدعوة لعدم أهمية الأرض، وعدم أهمية الانتماء للدولة والمجتمع، رغم قيمة ذلك الكبرى في العقيدة والشريعة، فالإسلام يقدّر قيمة الأرض والوطن،ولا يطبق إلا في وطن ودولة، ولهذا كان حرص الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، على بناء الدولة لنشر الإسلام، والانطلاق منها للدعوة ومواجهة الوثنية بالحكمة والموعظة الحسنة».
يشير د. نبيل السمالوطي إلى أن الجماعات المتطرفة التي لا تفهم حقيقة الإسلام تسعى بين الناس قتلاً وسفكاً للدماء، وانتهاكا للأعراض والأموال وترويعا للآمنين، والإسلام بريء من كل ذلك، لأنه جاء لينشر الأمن والسلم والسلام داخل الوطن ولجميع الأوطان، وما تفعله هذه الجماعات الضالة المضلة هو عين الإجرام والانتهاك لشرع الله عز وجل.
التنوع سُنة الله
يلفت د. نبيل السمالوطي إلى أن هذه الجماعات لا تقبل الاختلاف والتنوع بين البشر في الدين والعادات والأعراف والمعاملات، فإما اتباعها في ضلالها وتطرفها، وإما القتل والحرب والاستحلال للمال والعرض، وهذا يتصادم تماماً مع حقائق الإسلام. ويقول: التنوع سُنة الله، سبحانه وتعالى، في خلقه؛ إذ خلق عباده مختلفين في الدين والعرق واللون والقدرات والمستويات الاجتماعية والاقتصادية. والله عز وجل يقول في القرآن الكريم: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَايَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} الآية 118- سورة هود. ويضيف: المسلمون يقبلون الاختلاف والتنوع بين الناس، لأنهما إرادة الله تعالى، ولهذا أمرنا ديننا بالتعايش السلمي بين الناس، من مسلمين وغير مسلمين، وهذا ما فعله الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، في دولة المدينة؛ إذ كانت تعددية فيها: المسلمون وغيرهم وكلهم مواطنون لهم الحقوق والحريات نفسها.
الإيمان بالوطن وحمايته
يؤكد د. نبيل السمالوطي أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والصحابة، رضي الله عنهم، دافعوا عن حرمة وطنهم ودولتهم، فالإيمان بالوطن والدفاع عنه والاستشهاد في سبيله جوهر في الفكر الإسلامي، واحترام الدولة الوطنية يعنى احترام عقد المواطنة بين الشخص والدولة، والدفاع عن الأرض والالتزام بالحقوق والواجبات المتكافئة بين أبناء الوطن، لأن الولاء للأرض والوطن جزء لا يتجزأ من الولاء للإسلام.