أ.د.حميد مجول النعيمي

نشاهد السماء من على الأرض بألوان مختلفة حسب الوقت، وفصول السنة والظروف الجوية، فمثلاً، نشاهد السماء نهاراً من الأرض زرقاء، وعند شروق الشمس وغروبها نشاهدها بالأصفر والبرتقالي والأحمر.
ما نراه من ألوان للسماء ما هو إلا ظواهر فيزيائية معروفة، فهي ناتجة عن انكسار أو تشتت ضوء الشمس في الغلاف الجوي الأرضي الذي يسمح بمرور الأزرق عند النهار، وبالألوان: الأصفر أو البرتقالي أو الأحمر قبل وعند الغروب حسب الطول الموجي للون، وبعد ذلك تكون السماء مظلمة سوداء لنرى النجوم وأصقاع الفضاء المتاح للعين المجردة، لأن ضوء الشمس اختفى بعد الغروب ولا ضوء يتشتت في الغلاف الجوي فيصبح الغلاف الشفاف مكشوفاً للفضاء الخارجي، وما نراه من سواد هو المادة الداكنة للفضاء البعيدة جداً.
وفي القرآن نجد أن الله بعد أن وصف السماء بأنها بِناء، وأنها ٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ، فجعل لهذا السقف مصابيح، فقال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}، صرح بأن هذه المصابيح هي النجوم والكواكب. «بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ». وهذه الكواكب والنجوم قد تكون في السَّماءُ الدُّنْيا (الكون المرئي) المملوء بمختلف الأجرام السماوية.

من متابعاتنا كلمة السماء ودلالتها وعلاقتها بالكون نجد معلومات أشار إليها القرآن فيزيائياً فلكياً بدقة عالية. تكرر معنى السماء في مواضع عدة، فمرة بصيغة الجمع (سَمَاوَات)، ومرة بالمفرد (سَمَاء)، ونلاحظ عندما يتحدث كتاب الله بصيغة الجمع ويورد كلمة (سَمَاوَاتٍ)، أنه يقصد مجموع الكون الذي نعيش فيه.
وفي الآيات الكريمات الآتية سنجد الأفعال (خَلَق، جَعَل، بَنى، رَفَع، سوَّى، قَضى، استوى) اقترنت بالسماء من حيث نشوؤها وما يتبعه بدلالته الفلكية. لنتأمل الدلالات الإعجازية في الآيات الآتية: «ومَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ» (الأنبياء 16). ما خلق الله عز وجل السماء والأرض وما بينهما لعباً «المقصود باللعب هنا: العمل العابث الذي لا هدف له، وإنما خلقها من أجل الحق والعدل وإظهار قدرته وعظمته، مع المنافع التي تُجتنى منها؛ أي أن السماء مخلوقة خلقاً، من الفعل: «خلق يخلق»، ثم: «وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ» (الأنبياء 32). الله تعالى جعل السماء سَقْفًا محْفُوظًا وحافظاً للأرض والكائن الساكن عليها؛ أي أن الفعل هنا «جعل» حل محل صيَّر، والتصيير نوع من الخَلق ويكون بعد الخلق في الإجراء والزمن، ثم: «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ» (الذاريات 47)؛ أي أن فعل البناء تم من شيء وهو ليس رديفاً لخلق؛ بل ربما نظير في بعض جوانبه، علماً بأن أرصادنا  تشير إلى أن السماء (هنا نقصد الكون المرئي) بناء محكم وليست فراغاً؛ بل محبوكة؛ أي مملؤة بمختلف الأجرام السماوية والمواد الغازية والترابية والدخانية، والكون في توسع متسارع؛ لأن كثافته الآن أقل من الكثافة الحرجة، ويستمر في التوسع إلى أن تزداد كثافة مادته لتكون أعلى من الكثافة الحرجة، وبذلك يعود إلى ما كان سابقاً حسب إحدى النظريات الحالية. «يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ» (الأنبياء: 104). وقال تعالى: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ» (الرحمن 7)، هنا الفعل «رَفَع»، صنع وجعل، والميزان هنا يشير إلى ميزان الخلق وليس ميزان الوزن؛ أي توازن الكون بسبب وجود قوى الجذب بين مختلف أجرامه. ونحن نعلم أن الكون هو كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى من مختلف الأجرام السماوية، بما فيها السدم والمواد الترابية والغازية المنتشرة بين النجوم والكواكب، فضلاً عن المادة والطاقة المظلمتين، ونجد أن كل جرم سماوي صغيراً كان أم كبيراً، في حركة خاصة به، يدور حول مركز ثقل ما، حسب قوى الجذب المؤثرة فيه لتبقيه متحركاً سابحاً في فلك «وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ». 
وهذه الحركة تُبقي الكون في توازن وميزان. «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ». وقال تعالى: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (البقرة 29)؛ أي أن السماء (بصيغة اسم الجمع) كانت موجودة على غير نظام أو عدد فسواهن الله تعالى سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طباقاً، وكما أسلفنا، فإن الكون هو كل شيء موجود بما فيه المادة والطاقة والمجرات والنجوم والسدم والكواكب.
وتشير الأرصاد والدراسات الفيزيائية الفلكية إلى أن الكون في توسع واتساع وتسارع في الاتساع «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ»، وأن العديد من علماء الفيزياء الفلكية المعاصرين يتحدثون من خلال دراساتهم عن أن الكون المرئي هو أحد سبعة أكوان (أو متعدد الأكوان) وأشار الله سبحانه وتعالى إلى «سَبْعَ سَمَاوَاتٍ» في عدد من الآيات الكريمات: «ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ». سورة فصلت (سورة رقم: 41)؛ آية رقم: 12، «فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ». فصلت11 و12 فقضاهن من «قضى يقضي: قدَّر وأجرى بما هو موجود من» دخان لتصير السماوات السبع التي نرى منها السماء الدنيا بالعين المجردة مع ما فيها، علماً بأن الكون المرئي مؤلف من أكثر من مليار حشد مجري (كل حشد معدله بحدود 100 مجرة) يتخلل هذه الحشود الدخان والتراب والغاز، وقال تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ» (الصافات 6) للتذكير والتبصير بإضافة «أشياء» جديدة إلى السماء الموجودة تزيدها جمالاً وبهجة. والكواكب هنا، تعني مختلف الأجرام السماوية المرئية بالعين المجردة.
مما جاء في الفقرات أعلاه: سبعة أفعال هي: خلق، جعل، بنى، رفع، سوَّى، قضى، استوى: اقترنت بالسماء من حيث نشوؤها أو وجودها الأول وما يتبعه بدلالته الفلكية. واختيار هذه الأفعال لصياغة الآيات الكريمات أعلاه ليس خارج الانتباه أو التبصر. 
مدير جامعة الشارقة 
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك