مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد ‏أبو‏ ‏العباس‏ ‏أحمد‏ ‏بن‏ ‏محمد‏ ‏بن‏ ‏الخليل‏ ‏مفرج‏ ‏النباتي‏ ‏الأموي «ابن‏ ‏الرومية»، ‏في‏ ‏إشبيلية‏ ‏بالأندلس‏ ‏من‏ ‏أم‏ ‏إسبانية‏ ‏مسيحية‏ ‏في‏ ‏عام‏‏ 1165‏ ميلادية، ‏ونشأ‏ ‏وتوفي‏ ‏بها‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1240‏، و‏عاش‏ ‏إبان‏ ‏حكم‏ ‏الموحدين، ‏وتوفي‏ ‏قبل‏ ‏سقوط‏ ‏قرطبة‏ ‏في‏ ‏أيدي‏ ‏القشتاليين‏ ‏بتسعة‏ ‏أعوام‏. ‏ينتسب‏ ‏إلى ‏أسرة‏ ‏من‏ ‏موالي ‏بني‏ ‏أمية، ‏وهي‏ ‏اعتنت‏ ‏بالأدب‏ ‏والشعر‏ ‏والعلم‏ ‏والفلسفة‏ ‏والسياسة‏، وتتلمذ‏ ‏على ‏أيدي‏ ‏جمهرة‏ ‏من‏ ‏كبار‏ ‏علماء‏ ‏الأندلس‏ ‏في‏ ‏عصره‏.
 ‏اشتهر‏ ‏باسم‏ «ابن‏ ‏الرومية»‏ ‏لأن‏ ‏أمه‏ ‏قوطية، ‏أو‏ ‏لإتقانه‏ ‏اللغة‏ ‏الإيطالية‏ ‏القديمة، ‏أو‏ ‏لأنه‏ ‏عاش‏ ‏فترة‏ ‏يجوب‏ ‏بلاد‏ ‏الأندلس‏ ‏والبرتغال‏ ‏وفرنسا‏ ‏وإيطاليا‏ ‏وسويسرا‏ ‏وهولندا‏ ‏وجزر‏ ‏البحر‏ ‏المتوسط‏ ‏كريت‏ ‏وصقلية‏ ‏وقبرص‏ ‏وسردينا‏ ‏وكورسيكا‏. ‏وهي‏ ‏الرحلات‏ ‏التي‏ ‏كان‏ ‏يجمع‏ ‏خلالها‏ ‏النباتات‏ ‏التي‏ ‏يقابلها، ‏ويطلع‏ ‏على ‏ما هو‏ ‏متوافر‏ ‏بشأنها‏ ‏في‏ ‏تلك‏ ‏البلاد‏. إضافة‏ ‏إلى ‏رحلاته‏ ‏العربية؛ إذ تجول بين مصر‏ ‏والشام‏ ‏والحجاز‏ ‏والمغرب‏ ‏والجزائر‏ ‏وليبيا‏ ‏والسودان‏ ‏وفلسطين‏، ‏وقضى‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الرحلات‏ ‏ما يقرب‏ ‏من‏ ‏ثلاثين‏ ‏عاماً، ‏ثم‏ ‏عاد‏ ‏إلى ‏مسقط‏ ‏رأسه‏ ‏إشبيلية‏ ‏واستقر بها، ‏وأخذ‏ ‏يراجع‏ ‏ما كان‏ ‏قد‏ ‏كتبه‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الرحلات، ‏ويكتب‏ ‏ما يعن‏ ‏له‏ ‏من‏ ‏ملاحظات‏ ‏وأفكار، ‏إضافة‏ ‏إلى ‏متجر‏ ‏افتتحه‏ ‏للنباتات‏ ‏الطبية‏.
اهتم‏ ‏ابن‏ ‏الرومية‏ ‏بعلم‏ ‏النبات‏ ‏وخصوصا‏ً ‏النباتات‏ والأعشاب ‏الطبية، ‏وهو‏ ‏الاهتمام‏ ‏الذي‏ ‏جعله‏ ‏يجوب‏ ‏البلاد‏ ‏ويرحل‏ ‏إلى ‏دول‏ ‏مختلفة‏ ‏وشعوب‏ ‏متنوعة، ‏أوروبية‏ و‏إفريقية‏ ‏وآسيوية‏، ‏فكان‏ ‏رحالة‏ ‏ممتازاً، ‏كتب‏ ‏ما رآه، ‏ودوَّن‏ ‏ما سمعه‏ ‏بعد‏ ‏تمحيصه، ‏وطالع‏ ‏ماكتب‏ ‏من‏ ‏قبله، ‏بالعربية‏ ‏أو‏ ‏بلغات‏ ‏أخرى، ‏ولمع‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏المجال، ‏على الرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏شمس‏ ‏الحضارة‏ ‏في‏ ‏الأندلس‏ ‏مالت‏ ‏إلى ‏الغروب‏ ‏في‏ ‏تلك‏ ‏الفترة، ‏حين‏ ‏سقطت‏ ‏أكبر‏ ‏مدنها‏ ‏ومعظم‏ ‏قواعدها‏ ‏في‏ ‏أيدي‏ ‏الغزاة‏.
ويصفه‏ ‏ابن‏ ‏خلكان‏ ‏بقوله‏: «إنه‏ ‏كان‏ ‏شديد‏ ‏العطف‏ ‏على ‏طلاب‏ ‏العلم، ‏يجود‏ ‏عليهم‏ ‏بالمال‏ ‏والكتب‏ ‏التي‏ ‏عز‏ ‏وجودها‏. ‏وكان‏ ‏كثير‏ ‏الشغف‏ ‏بالدرس، ‏يواصل‏ ‏سهر‏ ‏الليل‏ ‏في‏ ‏كتابة‏ ‏بحوثه‏ ‏ومصنفاته، ‏ويقضي‏ ‏أوقاتا‏ً ‏كثيرة‏ ‏في‏ ‏فحص‏ ‏المرضى‏ ‏وإمدادهم‏ ‏بالأدوية‏ ‏النباتية‏ ‏التي‏ ‏بذل‏ ‏الجهد‏ ‏الجهيد‏ ‏في‏ ‏تمييزها‏ ‏وإعدادها‏. ‏وكان‏ ‏إلى ‏جانب‏ ‏براعته‏ ‏في‏ ‏الحديث‏ ‏النبوي‏ ‏وعبقريته‏ ‏في‏ ‏دراسة‏ ‏النباتات، ‏أديبا‏ً ‏ملهما‏ً ‏وشاعرا‏ً ‏قديرا‏ً». ‏ولعله‏ ‏اتجه‏ ‏إلى ‏الصيدلة‏ ‏والطب‏ ‏وعلاج‏ ‏المرضى‏ ‏خدمة‏ ‏للفقراء، ‏لما‏ ‏رآه‏ ‏من‏ ‏قسوة‏ ‏الأطباء‏ ‏عليهم‏. ‏ويقول‏ ‏عنه‏ ‏ابن‏ ‏أبي‏ ‏أصيبعة‏: «‏ووصل‏ ‏سنة‏ 613‏ه‏ ‏إلى ‏الديار‏ ‏المصرية، ‏وأقام‏ ‏بمصر‏ ‏والشام‏ ‏والعراق‏ ‏نحو‏ ‏سنتين، ‏وانتفع‏ ‏الناس‏ ‏به، ‏وأسمع‏ ‏الحديث، ‏وعاين‏ ‏نباتا‏ً ‏كثيرا‏ً ‏في‏ ‏هذه‏ ‏البلاد‏ ‏مما‏ ‏لم‏ ‏ينبت‏ ‏بالمغرب، ‏وشاهد‏ ‏أشخاصها‏ ‏في‏ ‏منابتها‏ ‏ونظرها‏ ‏في‏ ‏مواضعها‏».
وعن‏ ‏رحلته‏ ‏إلى ‏مصر‏ ‏‏يقول‏ ‏ابن‏ ‏أبي‏ ‏أصيبعة‏: ‏«ولما‏ ‏وصل‏ ‏أبو‏ ‏العباس‏ ‏ابن‏ ‏الرومية‏ ‏من‏ ‏المغرب‏ ‏إلى ‏الإسكندرية‏ ‏سمع‏ ‏السلطان‏ ‏الملك‏ ‏العادل‏ ‏أبو‏ ‏بكر‏ ‏بن‏ ‏أيوب‏، وبلغه‏ ‏فضله‏ ‏وجودة‏ ‏معرفته‏ ‏بالنبات، ‏وكان‏ ‏الملك‏ ‏العادل‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏الوقت‏ ‏بالقاهرة، ‏فاستدعاه‏ ‏من‏ ‏الإسكندرية، ‏وتلقاه‏ ‏وأكرمه‏ ‏ورسم‏ ‏بأن‏ ‏يقدر‏ ‏له‏ ‏جامكية‏ ‏وجراية، ‏ويقيم ‏عنده، ‏فلم‏ ‏يفعل‏ ‏‏ابن‏ ‏الرومية‏، ‏وبقي‏ ‏مقيما‏ً ‏عنده‏ ‏مدة‏ ‏وجمع‏ ‏الترياق‏ ‏الكبير‏ ‏وركبه، ‏ثم‏ ‏توجه‏ ‏إلى ‏الحجاز‏. ‏ولما‏ أتم مراسم الحج عاد‏ ‏إلى ‏المغرب‏ ‏وأقام‏ ‏بإشبيلية.
تعددت مصنفات أبى العباس النباتي، بينها كتاب «الرحلة المشرقية» أو«الرحلة النباتية» الذي ألَّفه بعد عودته من رحلته إلى الشرق، ودوَّن فيه نتائج أبحاثه ومشاهداته، وخصوصاً بسواحل البحر الأحمر، وهذا الكتاب مفقود ولكنه نقل منه الكثير، ولاسيما تلميذه ابن البيطار في كتابه الجامع لمفردات الأدوية والأغذية.
عندما ننظر إلى مصنفات أبي العباس في علم النبات نجد أنها قليلة، مقارنة بالعلماء الذين سبقوه، ولكنه يمتاز بمنهجه الفريد وطريقته الخاصة في الكتابة؛ إذ كان يسهب فى الشرح والأمثلة أحياناً عندما يرى أن الموضوع صعب ويحتاج إلى الإطالة؛ لكي يستوعب القارئ الموضوع على الوجه الأكمل والمرجو منه. ويوجز في بعض الأحيان عندما يشعر بأن المسألة التي يتكلم عنها سبق أن تطرق لها في أحد مؤلفاته، أو ورد ذكرها في مصنفات أحد العلماء الذين سبقوه، ففي هذه الحالة يذكرها لتوثيق ما يتحدث عنه فقط.
يعتبر أبو العباس النباتي أول من اعتنى بشكل حقيقي بالوصف الظاهري والتحلية العلمية والدقيقة للنباتات المدروسة.
تجول بين دول ‏أوروبية‏ وإفريقية‏ ‏وآسيوية ‏30 عاماً