مع بداية القرن الخامس الميلادي كان العالم يعيش في ظلمات من الجهل والتخلف، فمع وهن الإمبراطورية الرومانية وتفتتها، بدأت العصور الوسطى المظلمة التى اتسمت باضمحلال العلوم وانتشار الخرافة والمتوارثات الشعبية الأسطورية. وفي خضم هذا السواد الحالك لاح في الأفق نور يبدد ظلام الجهل لتبزغ شمس الحضارة الإسلامية، حيث كان المسلمون يعيشون حياة الازدهار والرقي، وشهدت القرون الوسطى تقدماً فريداً في كل العلوم والمجالات، خاصة الفلك والطب والفلسفة ، وغدت بلاد المسلمين مقصد العلماء وطلاب العلم، حيث العدل والحرية اللذان مهدا الطريق أمام العلماء للبحث والمعرفة ووضع أسس المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج وإعمال العقل ليظهر جيل جديد من العلماء الذين وضعوا اللبنات الأولى للتطور العملي الحديث.

ولد‏ ‏غياث‏ ‏الدين‏ ‏جمشيد‏ ‏بن‏ ‏محمود‏ ‏بن‏ ‏مسعود‏ ‏الكاشي‏ أو‏ ‏الكاشاني،‏ ‏أو‏ ‏القاشاني‏، ‏‏في‏ ‏أواخر‏‏ القرن الرابع‏ ‏عشر‏ ‏الميلادي‏ ‏في‏ ‏كاشان‏ ‏وسط‏ ‏إيران‏ ‏بالقرب‏ ‏من‏ ‏أصفهان‏، ‏ويقال‏ ‏إنه‏ ‏توفي‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1436‏م‏. و‏نشأ‏ ‏في‏ ‏بيت‏ ‏علم‏ ‏ودين‏، فوالده كان‏ ‏من‏ ‏كبار‏ ‏علماء‏ ‏الفلك‏ ‏والرياضيات‏.‏
درس‏ الكاشي النحو‏ ‏والصرف‏ ‏والفقه‏ ‏على‏ ‏المذاهب‏ ‏الأربعة‏، ‏كما‏ ‏درس‏ ‏علوم‏ ‏المنطق‏ ‏والمعاني‏ ‏والبيان‏، ‏وأجادها‏، ‏و‏استفاد‏ ‏من‏ ‏المنطق‏ ‏حين‏ ‏دخل‏ ‏إلى‏ ‏حقل‏ ‏الرياضيات‏. ‏وكان‏ ‏كثير‏ ‏التلاوة‏ ‏للقرآن‏ ‏الكريم‏، ‏فاكتسب‏ ‏قدرة‏ ‏على‏ ‏التعبير‏ ‏بأسلوب‏ ‏رزين‏ ‏في‏ ‏الكتابة‏.‏
عرف‏ ‏عنه‏ ‏قوة‏ ‏الملاحظة‏ ‏وحب‏ ‏الاستطلاع‏، ‏ودرس‏ ‏مؤلفات‏ ‏نصير‏ ‏الدين‏ ‏الطوسي‏ ‏لما‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏الحكمة‏ ‏والبحوث‏ ‏الرياضية‏ ‏الزاخرة‏. ‏ثم‏ ‏شرح‏ ‏الكثير‏ ‏من‏ ‏إنتاج‏ ‏مدرسة‏ ‏الطوسي‏ ‏للفلك‏ ‏بمدينة‏ ‏مراغة‏ (‏أواسط‏ ‏آسيا‏)، ‏كما‏ ‏عكف‏ ‏على‏ ‏دراسة‏ ‏مصنفات‏ ‏ثابت‏ ‏بن‏ ‏قرة‏ ‏والكرخي‏ ‏والخيام‏. ‏وكان‏ ‏يخرج‏ ‏من‏ ‏مدينة‏ ‏كاشان‏ ‏ثم‏ ‏يعود‏ ‏إليها‏، ‏لكنه‏ ‏أقام‏ ‏كثيرا‏ً ‏في‏ ‏سمرقند‏ ‏بدعوة‏ ‏من‏ ‏أميرها‏ أولج ‏بك‏ ‏الذي‏ ‏كان‏ ‏أديباً‏ ‏وعالماً‏ ‏في‏ ‏الفلك‏ ‏والرياضيات‏، ‏وكان‏ ‏يشجع‏ ‏ويدعم‏ ‏هذه‏ ‏العلوم‏ ‏وغيرها‏ ‏حتى‏ ‏أصبحت‏ ‏سمرقند‏ ‏مركزاً‏ ‏للعلم‏ ‏والثقافة‏. و‏أنشأ‏ ‏أولج ‏بك‏ ‏مرصداً‏ ‏في‏ ‏سمرقند‏ ‏عام‏ 1420‏م‏ ‏وشاركه‏ ‏في‏ ‏تأسيسه‏ ‏غياث‏ ‏الدين‏ ‏الكاشي‏، ‏وكان‏ ‏أول‏ ‏من‏ ‏تولى‏ ‏إدارته‏. وأجرى‏ ‏أرصاداً‏ ‏في‏ ‏مرصد‏ ‏سمرقند‏ ‏تميزت‏ ‏بالدقة‏، ‏وكان‏ ‏علماء‏ ‏الفلك‏ ‏يأتون‏ ‏إليه‏ ‏للتعرف‏ ‏على‏ ‏الإنتاج‏ ‏العلمي‏ ‏لهذا‏ ‏المرصد‏ ‏ونقله‏ ‏إلى‏ ‏بلادهم‏. ‏و‏اشتهر‏ ‏الكاشي‏ ‏برصد‏ ‏الكسوف‏ ‏على‏ ‏امتداد‏ ‏ثلاث‏ ‏سنوات‏.‏ و‏صنع‏ «‏طبق‏ ‏المناطق‏» ‏وغيره‏ ‏من‏ ‏الآلات‏ ‏الفلكية‏ ‏لتحديد‏ ‏تقاويم‏ ‏الكواكب‏ ‏وعروضها‏ ‏وأبعادها‏ ‏عن‏ ‏الأرض‏، ‏وكسوفها‏ ‏وخسوفها‏، ‏وكل‏ ‏ما‏ ‏يتعلق‏ ‏بها‏.‏
وهو ‏أول‏ ‏من‏ ‏اقترح‏ ‏الشكل‏ ‏الإهليلجي‏ (‏قطع‏ ‏ناقص‏ ‏أو‏ ‏شكل‏ ‏بيضاوي‏) ‏لمدارات‏ ‏القمر‏ ‏وكوكب‏ ‏عطارد‏، ‏وادّعى‏ ‏مؤرخو‏ ‏العلوم‏ ‏الغربيون‏ ‏هذا‏ ‏السبق‏ ‏العلمي‏ ‏للفلكي‏ ‏الألماني‏ ‏يوهان‏ ‏كبلر‏.‏ كما‏ ‏توصل‏ ‏إلى‏ ‏تحديد‏ ‏نسبة‏ ‏محيط‏ ‏الدائرة‏ ‏إلى‏ ‏قطرها‏ ‏بالرقم‏ 1415926535898732‏,‏3، ‏وهي‏ ‏النتيجة‏ ‏التي‏ ‏توصل‏ ‏إليها‏ ‏علماء‏ ‏القرن‏ ‏العشرين‏ ‏الميلادي‏ ‏باستعمال‏ ‏الحاسبات‏. ‏وكان‏ ‏العالم‏ ‏الإيطالي‏ ‏ليونار‏ ‏بيسانو‏ قدر‏ ‏هذه‏ ‏النسبة‏ ‏قبل‏ ‏الكاشي‏ ‏بقرن‏ ‏من‏ ‏الزمان‏ ‏بنحو‏ 141818‏و‏3 ‏فقط‏.‏ و‏ابتكر‏ الكاشي ‏الكسور‏ ‏العشرية‏، ‏فأدى‏ ‏إلى‏ ‏تطوير‏ ‏علم‏ ‏الحساب‏ ‏وتقدمه‏ واختراع‏ ‏الآلات‏ ‏الحاسبة‏، ‏وذكر‏ ‏هذا‏ ‏في‏ ‏كتاب‏ «‏مصادر‏ ‏الرياضيات‏» ‏للدكتور‏ ‏ديرك‏ ‏سترويك‏، ‏وكذلك‏ ‏في‏ ‏كتاب‏ «تاريخ‏ ‏الرياضيات» ‏ل‏ديفيد‏ ‏يوجين‏ ‏سميث‏، وذلك بالرغم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏الكاشي‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏على‏ ‏علم‏ ‏بالكسور‏ ‏العشرية‏ ‏التي‏ ‏ابتكرها‏ ‏العالم‏ ‏المسلم‏ أبوالحسن‏ ‏الإقليدسي‏ ‏قبل‏ ‏مولد‏ ‏الكاشي‏ ‏بخمسة‏ ‏قرون‏، لضياعها‏.‏
و‏الكاشي أول‏ ‏من‏ ‏أدخل‏ ‏العمل‏ ‏بالصفر‏، ‏فأدى‏ ‏هذا‏ ‏إلى‏ ‏ضبط‏ ‏العمليات‏ ‏الحسابية‏، ‏وكان‏ ‏يستخدمه‏ ‏لنفس‏ ‏الأغراض‏ ‏التي‏ ‏نستخدمه‏ ‏فيها‏ ‏الآن‏.‏ وطور‏ ‏نظرية‏ ‏الأعداد‏ ‏حين‏ ‏برهن‏ ‏قانونا‏ً ‏لمجموع‏ ‏الأعداد‏ ‏الطبيعية‏ ‏المرفوعة‏ ‏إلى‏ ‏القوة‏ ‏الرابعة‏، ‏وكان‏ ‏عمر‏ ‏الخيام‏ ابتكر‏ ‏القاعدة‏ ‏العامة‏ ‏لنظرية‏ ‏ذات‏ ‏الحدين‏، ‏فجاء‏ ‏الكاشي‏ ‏وطورها‏. ‏ولم‏ ‏يزد‏ ‏عمل‏ ‏نيوتن‏ ‏بعدهما‏ ‏على‏ ‏مجرد‏ ‏تعميم‏ ‏هذه‏ ‏النظرية‏ ‏التي‏ ‏عممها‏ ‏من‏ ‏قبله‏ ‏الكاشي‏ ‏إلى‏ ‏أي‏ ‏أس‏ ‏حقيقي‏.‏ كما حسب‏ ‏جداول‏ ‏لجيب‏ ‏الدرجة‏ ‏الأولي‏، ‏واستخدم‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏المعادلة‏ ‏ذات‏ ‏الدرجة‏ ‏الثالثة‏ ‏في‏ ‏معادلاته‏ ‏المثلثية‏.‏
وضع‏ ‏غياث‏ ‏الدين‏ الكاشي‏ ‏العديد‏ ‏من‏ ‏المؤلفات‏ ‏التي‏ ‏تميزت‏ ‏بالأسلوب‏ ‏الرزين‏ ‏والتعبير‏ ‏الواضح‏. ‏ومن‏ ‏أبرز‏ ‏كتبه‏ ‏الفلكية‏ «‏الزيج‏ ‏الخاقاني‏ ‏في‏ ‏تكميل‏ ‏الزيج‏ ‏الأيلخاني‏»، ‏وفيه‏ ‏أكمل‏ ‏الأرصاد‏ ‏الفلكية‏ ‏للفلكي‏ ‏المسلم‏ ‏نصير‏ ‏الدين‏ ‏الطوسي‏، ‏وأيدها‏ ‏بالبراهين‏ ‏الهندسية‏، ‏كما‏ ‏صحح‏ ‏جداول‏ ‏النجوم‏ ‏التي‏ ‏وضعها‏ ‏الباحثون‏ ‏تحت‏ ‏إشراف‏ ‏الطوسي‏ ‏في‏ ‏مرصد‏ ‏مراغة‏. ‏و‏أهداه‏ ‏إلى‏ ‏الأمير‏ ‏أولج‏ ‏بك‏.‏
وإذا‏ ‏كان‏ ‏الكاشي‏ وضع‏ «الزيج‏ ‏الخاقاني‏» ‏باللغة‏ ‏الفارسية‏، ‏فإنه‏ ‏وضع‏ ‏بالعربية‏ ‏كتاب‏ «رسالة‏ ‏نزهة‏ ‏الحدائق‏» ‏الذي‏ ‏شرح‏ ‏فيه‏ ‏الآلة‏ ‏الفلكية‏ ‏التي‏ ‏ابتكرها‏ «طبق‏ ‏المناطق»، ‏وشرح‏ ‏كذلك‏ ‏آلة‏ ‏أخرى‏ ‏هي‏ «‏لوح‏ ‏الاتصالات‏».  ومن‏ ‏كتبه‏ ‏بالعربية‏ ‏أيضاً‏«زيج‏ ‏التسهيلات‏»، «‏رسالة‏ ‏في‏ ‏درجات‏ ‏الإسطرلاب»، «رسالة‏ ‏في‏ ‏معرفة‏ ‏سمت‏ ‏القبلة‏»، «زيجي‏ ‏سلطاني» ‏بالاشتراك‏ ‏مع‏ ‏قاضي‏ ‏زادة‏ ‏في‏ ‏مرصد‏ ‏سمرقند‏. ‏وكذلك‏ ‏وضع‏ «الزيج‏ ‏الجرحاني‏».‏
ومن‏ ‏كتبه‏ ‏في‏ ‏الرياضيات‏: «مفتاح‏ ‏الحساب‏»، ويعتبر من أهم مؤلفاته، ‏فهو‏ ‏موسوعة‏ في‏ ‏الحساب‏ ‏والجبر‏ ‏والهندسة‏ ‏والمقابلة‏ ‏والمساحة‏، ‏وهو‏ ‏آخر‏ ‏مؤلفاته‏، ‏أنجزه‏ ‏في‏ ‏عام‏ 1436‏م‏.